القول الثاني:
أن الإلهام حجة وهو بمنزلة الوحي المسموع عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا القول لبعض الحِبِّيَّة من الصوفية [1] .
وفرّق القائلون بحجية الإلهام من الصوفية بين الإلهامين: إلهام الولي، وإلهام النبي، فقالوا: بأن إلهام الولي لا يكون إلا موافقًا لما جاء به نبيهم، ولا يتلقّون العلم إلا بواسطة روح النبي المتبوع، ولا كذلك إلهام النبي، فإنه لا يشترط لقبوله موافقة شريعة غيره، بل يكون ناسخًا لشرع من تقدمه فيما إذا خالفه. [2]
واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
1 -قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا) [3] أي: تفرقون به بين الحق والباطل. [4]
وهذا يشمل التفرقة بين الحق والباطل، بالاستدلال على طريقة أهل الظاهر، وبالذوق على طريقة أهل الباطن: بخلق العلم الضروري في القلب، إلا أن الإشكال في النوع الأخير هو في أن غيره لا يعرف صحة ما يدعيه: من خلق علم ضروري في قلبه، وفي أن الإنسان مهما بلغ من الدرجات يتعرض لوساوس الشيطان، و مكايد النفس.
نعم، إذا كان للملْهَم قدمٌ ثابت في العلم، وطاعة لله، ثم لم يشك في إلهامه، لزمه العمل به فيما بينه وبين الله، أو هو النتيجة الحتمية بالنسبة له، بخلاف غيره؛ فإنه لا يقبله إلا بشاهدي عدل. [5]
2 -قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام، فهو على نور من ربه) [6] فإنه أوِّل بالإلهام. [7]
3 -قال الله تعالى: (أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا) . [8] فإن عجز الآية يدل على كون المؤمن على نور من ربه، وهو المعرفة والهداية، ومن أسبابهما الإلهام. [9]
(1) ولعل الحِبِّيّة جماعة من الصوفية، فإن هذا المذهب منسوب إلى بعض أهل التصوف، وبعضهم يدعي أنه لا دليل سوى الإلهام. ينظر: تقويم الأدلة: جـ 2: 767، قواطع الأدلة ق 290 أ، تيسير التحرير ج: 185، ميزان الأصول ج: 953.
(2) فواتح الرحموت جـ 2: 371.
(3) سورة الأنفال: الآية (29) .
(4) إرشاد الفحول جـ 2: 1017.
(5) الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر ص 486.
(6) سورة الزمر: الآية (22) وتمامها: (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين) .
(7) فصول البدائع جـ 2: 391.
(8) سورة الأنعام: الآية (122) وتمامها: (يمشي به في الناس، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها، كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) .
(9) فصول البدائع جـ 2: 391.