الصفحة 17 من 34

ولأن الرأي بلا نظر لو كان حجة يعمل بها - كالوحي - لحل لكل إنسان أن يدعو الخلق إلى ما عنده، بل وجب كما وجب على نفسه العمل به، وكما كان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو زيد الدبوسي: ومن قال بهذا، فقد كفر) [1] .

6 -واحتجوا بانعقاد الإجماع على عدم دعوى من يدعي النبوة إلا بدليل المعجزة، التي يُعلم بها النبيّ من المتنبِّئ [2] ، ويلزم منه عدم قبول دعوى من يدّعي الإلهام إلا بدليل القرآن والسنة، يميّزه عن إلقاء الشيطان وأحاديث النفس [3] .

إلا أن هذا الدليل لا ينفي عدم حجية الإلهام نفيًا مطلقًا، بل ينفي حجيته على غير الملهم فقط، فلا يثبت جميع أجزاء الدعوى.

7 -واستدل القفال بأنه: (لو تثبت العلوم بالإلهام، لم يكن للنظر معنى، ونسأل القائل بهذا عن دليله، فإن احتج بغير الإلهام فقد ناقض قوله) [4] .

وردّ: بأنّ مدّعي حجية الإلهام لا يحصر الأدلة في الإلهام، فلا يناقض استدلاله بغير الإلهام دعواه [5] ، وليس في الأخذ به إهمال للنظر والبرهان، ولا مانع من إثباته بالأدلة الأخرى.

8 -وأيضًا لا دليل على كون ما أُلهم به من الله تعالى [6] ؛ لأنه لا يؤمَن عليه من دسيسة الشيطان ووساوسه، وما هذا شأنه، لا يحتج به، فالإلهام لا يحتج به.

فإن قيل: إن الدليل على كونه من الله تعالى هو العلم الضروري الذي خلق في قلب الملهم: بأنه من الله تعالى.

أجيب بأن ما يحسبه من الله تعالى بالضرورة قد يكون من الشيطان في الواقع، لأنه ليس بمعصوم، ولا بمأمون مكيدة الشيطان، لذلك لا يحتج به إلا بتعضيد من القرآن والسنة [7] .

(1) قواطع الأدلة ق 291 أ.

(2) ينظر: فصول البدائع جـ 2: 391.

(3) ينظر: إرشاد الفحول جـ 2: 1019، الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر ص 485.

(4) إرشاد الفحول جـ 2: 1019.

(5) المصدر نفسه.

(6) ينظر: التحرير جـ 4: 185، مسلم الثبوت جـ 2: 371.

(7) ينظر: فصول البدائع جـ 2: 391، جمع الجوامع بشرح المحلى جـ 2: 356، تيسير التحرير جـ 4: 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت