وقوله: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت) [1] ، فالله تعالى أمر بالنظر والاستدلال، ولم يأمر بالرجوع إلى القلب [2] .
3 -واستدلوا بقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) [3] ، ونحوه من الآيات التي تمنع العمل بغير العلم [4] .
لكن الاستدلال بهذه الآيات لا يتم إلا بإنكار حصول ما ادّعاه أنصار وجوب العمل بالإلهام من العلم القطعي الضروري، لأنهم حينما يرون حصول العلم الضروري بالإلهام لا يحسبون أنفسهم مخالفين للعمل بهذه الآيات، ولا آخذين بالظن (مع وجوب العمل بالظن في كثير من المواضع بأدلة أخرى) [5] .
4 -قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن قاضيًا: (بم تقضي؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي) [6] فلم يذكر بعد الكتاب والسنة إلهام القلب، وإنما ذكر الرجوع إلى النظر والاستدلال.
5 -ما رواه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) [7] .
وفي لفظ: (من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ) [8] فتفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل حرام - لا يجوز تعاطيه، ولهذا تحرّج السلف عن تفسير ما لا علم لهم به.
قال أبو المظفر السمعاني: (وأجمعنا على أنه يجوز برأي النظر والاستدلال بالأصول؛ فدلّ أن المراد به الرأي بلا نظر.
(1) سورة الغاشية: الآية (17 - 20) .
(2) قواطع الأدلة ق 290 ب.
(3) سورة الإسراء: الآية (36) .
(4) ينظر: فصول البدائع جـ 2: 391.
(5) الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر ص 484.
(6) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج: 242، وأبو داود في سننه ج: 303 في الأقضية، والترمذي في سننه ج: 616 في الأحكام. قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. وقد ردّ هذا الحديث ابن حزم. ينظر: الأحكام ج: 35، لكن لشهرة هذا الحديث وتداوله عند الأصوليين تلقاه سائر علماء الأمة بالقبول عند الأكثر لتدل على ثبوت معناه وصحته كما قال الخطيب البغدادي وغيره. ينظر: الفقيه والمتفقه ج1: 188، أعلام الموقعين ج: 183.
(7) أخرجه الإمام أحمد في مسنده جـ 1: 233، والترمذي في سننه جـ 5: 199 في تفسير القرآن وقال: حسن صحيح من حديث ابن عباس.
(8) أخرجه الترمذي في سننه جـ 5: 200.