المبحث الخامس
بيان الراجح في المسألة
بعد هذا العرض المفصل لأقوال العلماء من الفقهاء والأصوليين والصوفية في هذه المسألة يترجح لديّ أن الإلهام مسألة ظنية، ولا ينبني عليها حكم شرعي، فقد يكون صادقًا، وقد يكون كاذبًا مخالفًا لأوامر الشريعة.
ولذلك صرّح مشايخ الصوفية المتبعون للكتاب والسنة، أن كل إلهام كان مخالفًا لأصول الدين والشريعة لا يعتد به.
قال أبو سليمان الداراني: إنه ليقع في قلبي النكتة من نكت القوم، فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل: الكتاب والسنة [1] .
وقال أبو الحسين النوري: من رأيته يدعي مع الله حالًا تخرجه عن حدّ العلم الشرعي فلا تقربن منه [2] .
وقال أبو عثمان النيسابوري: (من أمَّر السنة على نفسه قولًا وعملًا نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالبدعة، لأن الله تعالى يقول في كتابه القديم(وإن تطيعوه تهتدوا) [3] [4] .
وقال السري: من ادّعى باطن علم ينقضه ظاهر حكم، فهو غالط.
والجنيد البغدادي كان من أشد الأولياء المحاربين لأهل الانحرافات من المتصوفة، حيث قال: مذهبنا هذا مقيّد بالكتاب والسنة، فمن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث، ولم يتفقه لا يقتدى به في هذا الشأن.
وقال أبو محمد الحريري: أمرنا هذا كله مجموع على فصل واحد: أن تلزم قلبك المراقبة، ويكون العلم على ظاهرك قائمًا.
وقال أبو حفص النيسابوري: من لم يزن أفعاله وأحواله بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره، فلا تعدوه في ديوان الرجال [5] .
ويقول صاحب العقيدة النسفية [6] : (أسباب العلم ثلاثة: الحواس السليمة، والخبر الصادق، والعقل، والإلهام ليس من أسباب المعرفة عند أهل الحق) .
(1) مدارج السالكين جـ 3: 137.
(2) الاستقامة جـ 2: 95.
(3) سورة النور: الآية (54) .
(4) مجموع الفتاوى جـ 1: 210.
(5) ينظر هذه النقولات من قواعد الصوفية ص 77.
(6) ص 5. طبعة أولى 1320 هـ، اسطنبول.