الاعتبار بقلب العالم الموفق لدقائق الأحوال، فهو المحكُّ الذي تُمتحن به حقائق الأمور، وما أعزّ هذا القلب) [1] .
وقال الفناري: (هو للعمل له، لا أن يدعو الناس إليه، ولا نزاع فيه) [2] . أي لا نزاع في أن يعمل به في حق نفسه.
17 -واستدلوا بأن أنبياء بني إسرائيل كان لهم إلهام يتكلمون عنه، وينزل ذلك منزلة الوحي إلى غيرهم.
وقالت الأمة فيمن اشتبهت عليه القِبلة، فصلَّى بغير تحرٍّ بقلبه: لا يجوز وإن أصاب القبلة، وإن صلّى بتحري قلبه تجوز صلاته، وإن أصاب غير القبلة.
قالوا: فثبت أن الإلهام حق من قبل الله تعالى، وأنه كرامة للآدمي، وأنه وحي باطن إلا أنه إذا عصى ربه وعمل بهواه يُحرم هذه الكرامة، ويستولي عليه وحيُ الشيطان، قال الله تعالى: (إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) [3] ، وبالقلب يمتاز له الحق من الباطل.
أجيب عن ذلك: بأن المطيع لا يخفى عليه وحيه عن وحي الملَك إلا على سبيل الغفلة التي تعتري القلب فيزلّ ثم يتنبّه من ساعته ولا يقرّ عليه [4] .
18 -واستدلوا بالترجيح بين القياسين المتعارضين بشهادة القلب، وكذلك أنواع التحريات: في اختلاط الحلال والحرام، والنجس بالطاهر.
ردّ بأنّ التحري ليس من الإلهام المخصوص بالعدل التقي، بل دليل ضروري لا يُعمل به إلا عند العجز عن التمسك بأسباب العلم، وهو مشروع في حق الصالح والطالح [5] .
القول الثالث:
ذهب إلى الفصل بين وجوب العمل به على الملهم نفسه، وعدم وجوبه على غيره.
وقال صاحب فواتح الرحموت: لعل وجهه أنه لا يجب عليهم دعوة الخلق إلى العمل به من حيث أنه إلهامهم، ولا يجب على الخلق تصديقهم فيما ادّعوه إلهامًا - وإن كان حجة قاطعة في حدِّ ذاته - والحجية فرع التصديق [6] .
(1) المصدر نفسه.
(2) فصول البدائع جـ 2: 392، الاجتهاد ص 492.
(3) سورة الأنعام: الآية (121) .
(4) ينظر: الدليل والرد عليه: قواطع الأدلة ق 290 ب.
(5) ينظر الدليل والجواب عنه: فصول البدائع جـ 2: 392.
(6) جـ 2: 371. وينظر أدلتهم أيضًا في أدلة القائلين بحجية الإلهام: مثل الدليل الأول، والدليل الرابع، والدليل التاسع التي ساقوها.