إلى هوىً، من غير دليل شرعي. فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي، فالواجب على المستفتي الرجوع إليه، وإن لم ينشرح صدره، وهذا كالرخص الشرعية، مثل: الفطر في السفر، والمرض، وقصر الصلاة في السفر ونحو ذلك، مما لا ينشرح به صدور كثير من الجُهَّال، فهذا لا عبرة به.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا يأمر الصحابة بما لا تنشرح به صدور بعضهم فيمتنعون عن فعله، فيغضب من ذلك، كما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، فكرهه من كرهه منهم، وكما أمرهم بنحر هَدْيهم والتحلّل من عمرة الحديبية فكرهوه، وكرهوا مفاوضته لقريش على أن يرجع من عامه، وعلى أن مَن أتاه منهم يرده إليهم [1] .
وفي الجملة: فما ورد النص به، فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) [2] وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضى، فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمان والرضا به والتسليم له، كما قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) [3] .
وأما ما ليس فيه نص من الله ولا رسوله، ولا عمّن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان، والمنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه شيء، وحكَّ في صدره لشبهة موجودة، ولم يجد من يُفتي له فيه بالرخصة، إلا من يخبر عن رأيه، وهو ممن لا يُوثق بعلمه وبدينه، بل هو معروف باتباع الهوى، فهنا يرجع المؤمن إلى ما حكّ في صدره، وإن أفتاه هؤلاء المفتون، وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا) [4] .
وأضاف الشوكاني معنى آخر في حديث: (استفت قلبك) وهو: أن ذلك في الواقعة التي تتعارض فيها الأدلة [5] .
ونُقل عن الغزالي أنه قال: (واستفتاء القلب، إنما هو حيث أباح المفتي، أما حيث حرّم فيجب الامتناع، ثم لا نقول على كل قلب، فربَّ موسوسٍ ينفي كل شيء، وربَّ متساهل يطير إلى كل شيء فلا اعتبار بهذين القلبين، وإنما
(1) ينظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري رقم 2731، 2732.
(2) سورة الأحزاب: الآية (36) .
(3) سورة النساء: الآية (65) .
(4) جامع العلوم والحكم ص 444 - 445.
(5) إرشاد الفحول جـ 2: 1019.