دونه أولياء) [1] ، وقال: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) [2] فكيف يوجب الله تعالى سؤالهم، ثم نترك أجوبتهم وفتاواهم إلى فتاوى قلوبنا؟
وقال تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) [3] ولم يقل: ردّوه إلى خواطركم وأحاديث قلوبكم.
ثالثًا: أن المفتي يبني فتواه على ظاهر الحال كما يعرضه له السائل، وقد يكون هناك أمور خفيّة لا يطَّلع عليها، لعله لو عرفها لغيَّر فتواه، والمستفتي هو الذي يعرفها، ولذلك تظل نفسه قلقة غير مطمئنة بما ألقي إليه من فتوى، ففتوى المفتي هنا مثل قضاء القاضي، الذي يحكم بالظاهر، ويقضي على نحو ما يسمع، ولكنه لا يجعل الحرام حلالًا لمن استقضاه إذا كان ألحن بحجّته من خصمه صاحب الحق.
وبهذا يكون الاستدلال بالحديث على حجية الخواطر والإلهامات في مواجهة أدلة الشرع، استدلالًا باطلًا.
يقول ابن رجب في شرحه لحديث وابصة: (فدلّ حديث وابصة وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، فما سكن إليه القلب، وانشرح إليه الصدر، فهو البرّ والحلال، وما كان خلاف ذلك فهو الإثم والحرام) [4] .
ويقول أيضًا في حديث النواس بن سمعان: (إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرجًا وضيقًا وقلقًا واضطرابًا، فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا فهو عند الناس مستنكر، بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما أنكره الناس على فاعله، وغير فاعله. ومن هذا المعنى قول ابن مسعود رضي الله عنه:(ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح) [5] [6] .
وتعقب ابن رجب حديث وابصة، وأبي ثعلبة فقال: (يعني: أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم، وإن أفتاه غيره بأنه ليس بإثم، فهذه مرتبة ثانية، وهو أن يكون الشيء مستنكرًا عند فاعله دون غيره، وقد جعله أيضًا إثمًا، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شُرح صدره بالإيمان، وكان المفتي يفتي له بمجرد ظن، أو ميل
(1) سورة الأعراف: الآية (3) .
(2) سورة النحل: الآية (43) .
(3) سورة النساء: الآية (59) .
(4) جامع العلوم والحكم ص 444.
(5) روي هذا الحديث من طرق عن ابن مسعود موقوفًا. كما عند أحمد في مسنده جـ 1: 379، والبغوي في السنة ص 105، والخطيب في الفقيه والمتفقه ص 445 - 446.
(6) جامع العلوم والحكم ص 444.