وكذلك مناداته لقائد جنده سارية الذي يجاهد بأرض فارس، وهو يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة [1] .
أجيب: بأن ما ذكر عن الصحابة أو ما يذكر عنهم بسند صحيح يفيد الكرامات والخوارق لأصحابها يقينًا وعلمًا بالله تعالى، وقوة فيما هم عليه، ولكن لا ينبني عليها حكم، لجواز الخطأ، وما كان هذا شأنه لم يصح أن يقطع به حكم، فلا يثبت جميع أجزاء الدعوى [2] .
16 -واستدلوا بقوله عليه السلام لوابصة بن معبد - وقد سأله عن البر والإثم - (ضع يدك على صدرك فما حاك في قلبك فدعه، وإن أفتاك الناس وأفتوك) [3] ، وما في معناه [4] ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة قلبه حجّة مقدَّمة على الفتوى.
أجيب عن ذلك: بأن هذا الاستدلال مردود، وتحريف للكلم عن مواضعه [5] .
أولًا: لأن الحديث - كما نقل المناوي عن الغزالي - لم يردّ كل أحد لفتوى نفسه، وإنما ذلك لوابصة في واقعة تخصّه [6] .
أي أن الحديث لم يجئ بلفظ عام، بحيث يؤخذ منه قاعدة عامة، بل جاء في واقعة معينة لشخص معيّن، ووقائع الأعيان لا عموم لها، كما هو مقرر في علم الأصول.
ثانيًا: على فرض العموم، فموضع هذا فيما لا نص فيه ولا حجة شرعية، وإلا وجب اتباع الشرع، قال تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من
(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية جـ 11: 318، مدارج السالكين جـ 3: 215، تاريخ الخلفاء ص 139 وما بعدها.
(2) ينظر الموافقات جـ 4: 52 - 53.
(3) أخرجه الإمام أحمد في مسنده جـ 4: 227 - 228، وحسنه النووي في رياض الصالحين ص 223، رقم 591.
(4) مثل حديث أبي ثعلبة الخشني: قلت يا رسول الله: أخبرني ما يحل لي، وما يحرم علي؟ فقال: (البر: ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم: ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون) أخرجه الإمام أحمد في مسنده جـ 4: 194، وابن رجب في جامع العلوم والحكم ص 444. أيضًا حديث النواس بن سمعان الأنصاري: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) أخرجه مسلم في صحيحه ص 1025 رقم 2553.
(5) موقف الإسلام من الإلهام ص 47.
(6) فيض القدير جـ 1: 495.