وربما يقال: هي صناعة صيَّادة لمعرفة أخلاق الإنسان وأحواله.
وقد نبّه الله على صدقها بقوله تعالى: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) [1] وقوله: (تعرفهم بسيماهم) [2] ، وبقوله: (ولتعرفنهم في لحن القول) [3] .
ومن الفراسة: علم الرؤيا، وقد عظّم الله أمرها في جميع الكتب المنزّلة [4] .
والراغب الأصفهاني هنا لا يفرِّق بين الإلهام والفراسة والتحديث.
وأما الهروي في (منازل السائرين) فقد جعل مقام الإلهام فوق مقام الفراسة؛ لأن الفراسة ربما وقعت نادرة، واستصعبت على صاحبها وقتًا واستعصت عليه، والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد.
وناقش ابن القيم الشيخ الهروي في ذلك فقال: (وأما جعله فوق مقام الفراسة: فقد احتُجّ عليه بأن الفراسة ربما وقعت نادرة كما تقدم، والنادر لا حكم له، وربما استعصت على صاحبها واستصعبت عليه فلم تطاوعه. والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد، يعني في مقام القرب والحضور.
والتحقيق في هذا: أن كلًا من (الفراسة) و (الإلهام) ينقسم إلى عام وخاص، وأن خاص كل واحد منهما فوق عام الآخر، وعام كل واحد قد يقع كثيرًا، وخاصهُ قد يقع نادرًا. ولكن الفرق الصحيح: أن الفِراسة قد تتعلق بنوع كسب وتحصيل، وأما الإلهام فموهبة مجرَّدة، لا تُنال بكسب البتة) [5] .
(1) الكشف في اللغة كالضرب، يقال: كشف الشيء وكشف عنه كشفًا: رفع عنه ما يواريه ويغطّيه. ويقال: كشف الأمر يكشفه كشفًا: أظهره، وكشّفه عن الأمر: أكرهه على إظهاره، وكشف الله غمّه: أزاله، ومنه قوله تعالى: (ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون) [6] ، ويقال: كشف الطبيب على فلان: فحص حالته وكشف علته [7] .
(1) سورة الحجر: الآية (75) .
(2) سورة البقرة: الآية (273) .
(3) سورة محمد: الآية (30) .
(4) الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 186 - 188 وينظر: موقف الإسلام من الإلهام ص 19 - 20.
(5) مدارج السالكين جـ 1: 69.
(6) سورة الدخان: الآية (12) .
(7) ينظر: لسان العرب جـ 5: 408، والقاموس المحيط ص 783، والمعجم الوجيز ص 535.