الآيات محسوسة؛ فالتفكر فيها يدلنا على الله تبارك وتعالى، وأما التفكر في الذات فيوجب التعطيل، كنظر العين إلى ما لا يُرى) [1] .
وحُكي عن محمد بن زكريا الغلابي أنه قال لأصحابه: إذا كلمكم الموحدون في الآيات، فكلموهم في الذات. وبه تعلق فرعون في محاجة موسى عليه السلام، قال: وما رب العالمين؟ [2] فأعرض موسى عن جواب المحال، وأجاب بالوصف. قال: رب السماوات والأرض. [3]
قال الدبوسي: وما كفر حكماء الأوائل إلا بتفكرهم في الذات
والماهية [4] .
(1) الفراسة لغة: الفِراسة بكسر الفاء: النظر والتثبّت والتأمل للشيء والبصر به.
يقال: إنه لفارس بهذا الأمر إذا كان عالمًا به، وتفرسّ فيه الشيء: توسّمه، وتفرست فيه الخير: تعرفته بالظن الصائب، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا فراسة المؤمن) [5] .
وأما الفَراسة - بالفتح - العلم بركوب الخيل وركضها من الفروسية، والفارس: الحاذق بما يمارس من الأشياء كلها، وبها سمّي الرجل فارسًا.
قال ابن الأثير: ويقال بالمعنيين: أحدهما: ما دلّ ظاهر الحديث عليه، وهو ما يوقعه الله تعالى في قلوب أوليائه فيعلمون أحوال بعض الناس بنوع من الكرامات، وإصابة الظن والحدْس.
والثاني: نوع يتعلم بالدلائل والتجارب والخلق والأخلاق فتعرف به أحوال
الناس. [6]
(2) الفراسة اصطلاحًا: عرفها الراغب الأصفهاني بقوله: هي الاستدلال بهيئات الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله على أخلاقه وفضائله ورذائله. [7]
(1) تقويم الأدلة جـ 2: 785.
(2) كما في سورة الشعراء: الآية (23) .
(3) كما في سورة الشعراء: الآية (24) .
(4) تقويم الأدلة جـ 2: 787، والماهية: هي ما يجاب به على السؤال ما هو؟ وهي الشيء المتعقل من شيء ما بغض النظر عن وجوده الظاهر وأعراضه مثل: الحيوانية، والنطق عند الإنسان. التعريفات ص 195، المعجم الفلسفي جـ 2: 314.
(5) سيأتي تخريجه.
(6) لسان العرب جـ 5: 109، والقاموس المحيط ص 521، المصباح المنير ص 277.
(7) الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 186، وممن حكم بالفراسة القاضي إياس بن معاوية، وعبد الله بن عباس عندما جاء شاب وهو في مجلسه، وقال له في اندفاع: هل للقاتل من توبة؟ فقال له ابن عباس: لا، وعندما سأله الحاضرون: كيف تحول بينه وبين التوبة التي يعلم كل مسلم أن بابها لا يغلق ما لم تبلغ الروح الحلقوم؟ قال لهم: إني قلت له ذلك، لأني رأيت القتل في عينيه، إنه يريد أن يقتل ثم يتوب، ونصه: (تفرست فيه، اتبعوه إن لم يرد القتل) الخبر في مصنف ابن أبي شيبة، وينظر الموافقات جـ 2: 182.