قال ابن القيم: (وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية يقول: جزم بأنهم كائنون في الأمم قبلنا، وعلّق وجودهم في هذه الأمة بـ(إن) الشرطية مع أنها أفضل الأمم، لاحتياج الأمم قبلنا إليهم، واستغناء هذه الأمة عنهم [1] بكمال نبيها ورسالته، فلم يُحوِج الله الأمة بعده إلى محدَّث ولا ملْهَم، ولا صاحب كشف ولا منام، فهذا التعليق لكمال الأمة واستغنائها لا لنقصها) [2] .
وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات: (حدثني قلبي عن ربي) ، فصحيح أن قلبه حدَّثه ولكن عمَّن؟ عن شيطانه؟ أو عن ربه؟ فإذا قال: (حدثني قلبي عن ربي) كان مسندًا الحديث إلى مَن لم يعلم أنه حدَّثه به، وذلك كذب [3] .
قال ابن تيمية: (ومحدَّث الأمة - يعني عمر بن الخطاب - لم يكن يقول ذلك، ولا تفوَّه به يومًا من الدهر، وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك، بل كتب كاتبه يومًا:(هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب) فقال: لا، امحه واكتب (هذا ما رأى عمر بن الخطاب، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمن عمر، والله ورسوله منه بريء) .
وقال في الكلالة - ميراثُ من مات وليس له أصل ولا فرع وارث: (أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان) .
فهذا قول المحدَّث بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنت ترى الاتحادي، والحلولي، والإباحي، والشطاح يجاهر بالفرية فيقول: (حدثني قلبي عن ربي) !.
فانظر إلى ما بين القائلين والمرتبتين، والقولين والحالين، وأعط كل ذي حق حقه، ولا تجعل الزغل الخالص شيئًا واحدًا) [4] .
وقال أبو زيد الدبوسي: (وقد ابتُليت بقوم زعموا أن العبد يرى ربه بقلبه فيعرفه بلا نظر، ولا استدلال بالآيات، وهذا قول لم يكن في السلف) .
والقلب مضغة ليس لها حاسة رؤية، مثل ما ليس لسائر الأعضاء حاسة رؤية، فلا فرق بين قول من يقول: (رأيت ربي بقلبي) وبين قول من يقول: (رأيت ربي بيدي أو سمعي) .
قال: وإنما رؤية القلب علمه بنظره، ونظره التفكر، لا يتصور غير ذلك. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تفكروا في الآيات، ولا تتفكروا في الذات) [5] ؛ لأن
(1) ضمير الجمع راجع إلى المحدَّثين الذين ورد فيهم النص المتقدِّم.
(2) مدارج السالكين جـ 1: 63.
(3) المصدر نفسه، ج 1: 64.
(4) مدارج السالكين جـ 1: 64.
(5) الحديث ضعيف، أورده الحافظ السخاوي بطرق مختلفة. ينظر: المقاصد الحسنة ص 159.