القول الأول:
أن الإلهام خيال لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب
المباح، وهذا قول جمهور العلماء [1] ، وهو اختيار تاج الدين السبكي من الشافعية [2] ، وابن الهمام من الحنفية [3] ، والقاضي أبو يعلى من الحنابلة [4] .
كما ذهب كثير من فقهاء الصوفية المتأخرين إلى عدم حجية الإلهام، قال الألوسي: (وممن صرّح بأن الإلهام ليس بحجة من الصوفية: الإمام الشعراني، وقال: قد زلّ في هذا الباب خلق كثير فضلوا وأضلوا) [5] .
واحتج هؤلاء بحجج كثيرة منها:
1 -قال الله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) [6] فألزمهم الكذب بعجزهم عن إظهار الحجة؛ لأن الإلهام حجة باطنة؛ فلا يمكن إظهارها، ولأن الحكم بالباطن لا يطلع عليه إلا الأنبياء [7] .
2 -وقوله تعالى: (ومن يدع مع الله إلهًا آخر لا برهان له به) [8] فقد وبَّخهم بدعوى إلهٍ غير الله لا برهان لهم به، ولو كانت شهادة قلوبهم حجة لهم لما لحقهم التوبيخ؛ فثبت أن الحجة التي يصح العمل بها ما يمكن إظهاره من النصوص والآيات التي عرفت حججًا [9] .
ويدل عليه: قوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) [10] ، وهذا يدل على أن العلم بالله تعالى لا يكون إلا بالآيات، والآيات لا تدل إلا بعد الاستدلال بها عن نظر عقلي. بدليل قوله تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) [11] ، وقوله تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار) [12] ،
(1) ينظر: قواطع الأدلة في الأصول ق 290 أ.
(2) ينظر: جمع الجوامع بشرح المحلى جـ 2: 372.
(3) ينظر: تيسير التحرير جـ 4: 185، مسلم الثبوت جـ 2: 371.
(4) ينظر: جامع العلوم والحكم ص 446.
(5) روح المعاني جـ 16: 17.
(6) سورة البقرة: الآية (111) .
(7) قواطع الأدلة ق 290 ب، أجوبة الإمام الزرقاني ص 72. ومثاله: الخضر - على قول من قال أنه نبيّ - بأنه أخبر موسى نبي الله بالجدار والسفينة وقتل الغلام على ما حكاه القرآن الكريم في سورة الكهف.
(8) سورة المؤمنون: الآية (117) .
(9) قواطع الأدلة ق 290 ب.
(10) سورة فصلت: الآية (53) .
(11) سورة الذاريات: الآية (21) .
(12) سورة الحشر: الآية (2) .