الصفحة 29 من 34

فهذه أقوال كبار الأولياء الصادقين أصحاب الخواطر والإلهامات، الذين أدركوا خطر انحرافات الخروج على الكتاب والسنة ولم يعتدُّوا بما خالف الكتاب والسنة.

بل إن دعوى الإلهام بالنسبة لغير الملْهَم مجرد دعوى تحتاج إلى ما يثبتها، فضلًا عن أن يكون دليلًا شرعيًا، وكلام أبي يزيد البسطامي نفسه من هذا القبيل حيث يقول لبعض علماء عصره: ما المحدثون؟ إن خاطبهم رجل عن رجل، فقد خاطبنا القلب عن الرب.

وقد علّق الإمام الذهبي في ترجمته له بأنه رويت عنه أشياء مشكلة لا مساغ لها، وشكك في ثبوتها عنه، أو أنه قالها في حالة الدهشة والسكر والغيبة والمحو، فتطوى ولا يحتج بها [1] .

2 -ألا يكفي كون أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي أفضل الأمم أن يكون فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبار الأولياء والعلماء والملهمون من غير أن يجب على الأمة العمل بما يقال: إنه إلهام دون أن يزنوه بميزان الكتاب والسنة، وقد دلّ القرآن الكريم على أفضلية هذه الأمة فقال: (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) [2] .

3 -وخير ما أختم به هذا المبحث، هذا الكلام النفيس لشيخ الإسلام ابن تيمية: هو أن الراجح أن الإلهام لا يكون حجة ملزمة حتى لو صحّ في موافقته للشرع، لأنه إن كان منافيًا للشرع أُهمل العمل به، وإن وافق الكتاب والسنة فإن العمل إنما يكون اتباعًا للكتاب والسنة وحكم الشرع، ويكون دور الإلهام والكشف هو إخبار الملهم بحكم الله، وليس إنشاء حكم جديد مضاف إلى الشرع، ويكون حينها كرامة لصاحبه أن الله قد كشف له ما جهل من أمر شرعه، وآتاه من لدنه علمًا نافعًا يهتدي به ولا يهدي به من أحد، ولا حرج عليه في ذلك، إذ ليس عليه البلاغ [3] .

الخاتمة:

أهم النتائج التي توصل إليها الباحث:

(1) ينظر: سير أعلام النبلاء جـ 13: 86 - 89، وأورد ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص 360 - 363 هذه الرواية عن البسطامي بلفظ آخر ثم علق عليها بقوله: (أما قوله: أخذوا علمهم ميتًا عن ميت، أصلح ما ينسب إليه هذا القائل: ما يدري ما في ضمن هذا القول، وإلا فهذا طعن في الشريعة) .

(2) سورة آل عمران: الآية (110)

(3) مجموع الفتاوى جـ 10: 477.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت