قال صاحب فصول البدائع [1] : بعد ذكره هذين الدليلين - أن ذلك مسلّم، إذا ثبت كون ما ألقي في القلب من الله تعالى، أو من الملَك.
أما الآية الأولى فمعناها: إن من جعل الله عز وجل قلبه مستعدًا لقبول الإسلام، واهتدى بهديه، ليس كمن قسا قلبه عن ذكر الله، بحيث لا ينفذ فيه الحق، فإن الأول على نور من ربه: نور المعرفة والهداية، دون الثاني: فإنه يعيش في ظلمات الجهل والضلالة، وهذا هو حال كل مسلم وكافر، إلا أن المسلمين متفاوتون في درجات المعرفة والهداية تفاوت استرشادهم بالدين والعمل بأحكامه، لكنه من المحال معرفة من وصل إلى درجة جعل الله الحق على قلبه ولسانه، لغيره من الناس، حتى يجب عليه العمل بإلهاماته، ويجعل فهمه وذوقه معيارًا لدرك الحكم الشرعي.
ومعنى الآية الثانية: أن من هداه الله إلى الإسلام، وجعل له نورًا من المعرفة والهداية وهو متمكن من السير على ضوء ذلك النور في حياته، ليس كمن يعيش وسط ظلمات الجهل والضلالة، بحيث أصبح جهله وضلاله كأنهما ذاتيان من ذاتياته، لا يفارقانه، فإن المسلم يفوز برضى الله تعالى، وبالنعيم المقيم في الآخرة، دون الكافر؛ فإنه يهوي به كفره في جهنم وساءت مصيرًا.
وهذا الوصف ينطبق على كل مسلم ومؤمن، في مقابل الكفرة، إلا أنه - كما وضحنا في الآية السابقة - لا يدل على حجية ما اعتبره البعض إلهامًا على
غيره [2] ، والله أعلم.
4 -قال الله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا) [3] وشرح الصدر بنور العلم، والحرج والضيق بظلمة الجهل، فالله تعالى أخبر أنه الجاعل لذلك بلا واسطة، ولا صنع من العبيد. [4]
(1) جـ 2: 391.
(2) تفسير الرازي جـ 13: 171 ـ 173 وجـ 26: 265 ومابعدها.
(3) سورة الأنعام: الآية (125) ، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فقيل: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: (نور يقذف فيه، فينشرح له، وينفسح .. ) الحديث أخرجه ابن المبارك في الزهد، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي جعفر المدائني. ينظر: فتح القدير ص 555.
(4) قواطع الأدلة ق 290 أ - 290 ب.