الصفحة 2 من 34

ومن ثمّ كان من مزالق الاجتهاد الغلو، ومن الغلو اعتبار الإلهام حجة شرعية إلى حدّ يضاهي مُحكمات النصوص، أو في مرتبتها كما يُحكى عن بعض غلاة المتصوفة المنحرفين الذين يبالغون في تعظيم الإلهام والكشف والرؤى، حتى جعلوها من الأصول المعتبرة بجانب الكتاب والسنة، من غير التزام بالضوابط التي أجمع عليها محققو علماء الإسلام في تفسير النصوص الإلهية، سواء أكانت من الكتاب أم من السنة.

ولا شك أن للعبادة الصحيحة والإيمان الصادق، والمجاهدة وقمع الشهوات نورًا يقذفه الله في قلب عبده الصالح، وعن طريق العبادة يتربى في الإنسان الوازع أو الضمير الحي اليَقِظ الذي يكون له دور في توجيه سلوك صاحبه، لأن العبادة تربي هذا الشعور في النفس على أساس من خوف الله وخشيته وتقواه وابتغاء رضوانه وإحسانه ورحمته.

وقد ورد التعبير عن هذا الإحساس أو الشعور في الحديث باسم (واعظ الله في قلب المسلم) ، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا .. فالصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم) [1] ، فمرتبة الإلهام لا تُنال إلا بالطلب والاجتهاد والمجاهدة، وقمع الشهوات واقتحام الطاعات، ودوام المراقبة، وتنقية السريرة، وصفاء الجوهر، حتى يستشعر أنه ذلك المؤمن الصادق الذي يرى بنور الله، فتنفتح أمام بصيرته عوالم الإدراك، وأنوار المعارف، تهدي خطاه إلى كل خير وصواب.

ولذا رأيت أن أخوض غمار هذا الموضوع طمعًا فيما عند الله، وإسهامًا متواضعًا في خدمة شريعتنا الغراء، ومما شجعني على هذا الموضوع وإفراده ببحث مستقل أني لم أقف فيما سبق على من تعرض له ببحث بمفرده، وحقق القول فيه بموضوع جامع أبان فيه عن وجه الحق.

وأتناول هذا الموضوع في هذا البحث وفقًا للتقسيم التالي؛ فجعلته في:

مقدمة، وخمسة مباحث، وخاتمة.

(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده جـ 4: 182 - 183 عن ابن مسعود، والحاكم في مستدركه جـ 1/ 736، وقال: (صحيح على شرط مسلم، ولا أعرف له علة، ولم يخرجاه) ، ووافقه الذهبي. ط دار الكتاب العربي - بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت