الصفحة 21 من 58

وإذا ما كان تحقيق الوقوف على ما اتفق عليه أئمة أهل العلم، وما اختلفوا فيه من الكدى التي لا يكاد يجتازها إلاّ الخاصة فكيف بتحقيق الحكمة مع ذلك؟ إنَّ غير قليل ممن استطاع التفوق في فقه الدين، فقه تصور، ليفتقر إلى كثير من الحكمة في توظيف هذا الفقه، توظيفًا مثمرًا متناغيًا مع الفطرة الصافية، وحركة الحياة المسلمة.

أن يكون المنكر موجودًا متيقنًا، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( من رأى منكم منكرًا فليغيره ) )فقوله (رأى) دال على وجوب العلم بوقوع المنكر، علمًا محققًا، أو بإقدام صاحبه عليه لا محالة، كأن يتيقن أنه يدبّر لقتل آخر أو لشرب خمر 000 إلخ. وأن الشواهد والقرائن قاطعة بعزمه على إيقاعه، فإن من المنكر ما يكون تغييره بمنعه منه، قبل وقوعه، بأي سبيل من سبل المنع المشروعة، وهو في هذا يكون أقرب إلى النهي عن المنكر، منه إلى تغييره، فإن النهي أعم من التغيير.

ويستوي في المنكر الواجب على الأمة تغييره، أن يكون مما يتعلق بحق الله تعالى، أو بحق أحد من عباده، ويستوي ـ أيضًا ـ أن يكون ذلك المنكر قولًا أو فعلًا، كبيرًا أو صغيرًا، فكل ما أنكره الشرع يجب تغييره، وإن اختلفت وسائل التغيير.

وقد جاء لفظ المنكر في الحديث نكرة، ليكون عامًا، فإنَّ النكرة في سياق الشرط تعم، مثلما تعم، في سياق النفي ـ كما هو معلوم عند أهل العلم.

ويستوي في هذا أن يكون هذا المنكر واقعًا من كبير أو من صغير، ذكر أو أنثى، فلو أن صغيرًا أراد أن يقتل، أو يشرب خمرًا، أو أن يحرق ماله، فإنه يجب منعه، وإن كان غير مكلف، وكذلك المجنون، لو أقدم على منكر، منع منه ولا سيما منكرًا يتعلق بحقوق الآخرين. فلا عبرة بمن يقع منه المنكر، بل العبرة بالمنكر نفسه، وتحقق أنه منكر لا رخصة لمن يفعله فيه. ولذا جاء المفعول الثاني للفعل (رأى) محذوفًا، ليدل على العموم، فكأنه قيل: من رأى منكم منكرًا واقعًا من أحد من الناس.

ذلك ما يهدي إليه النصح لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدبرًا وتأويلًا، وليس صحيحًا ما ذهب إليه بعض الناظرين في الحديث من أنه مقيد بالنفس، ومن له عليه ولاية، فيكون التقدير من رأى منكم منكرًا من نفسه، أو أهله، فيغيره، فيكون التغيير محصورًا جوازه في منكر واقع من نفس المغيّر أو أهله، الذين له عليهم ولاية، كما يذهب إليه مؤلفو كتاب (( مواجهة الفكر المتطرف في الإسلام ) )فذلك غير صحيح (5) ومن ورائه شر مستطير، إذا أنه يفتح الباب لمن ليس لأحد عليهم ولاية، كالسلطان الأعلى وبطانته، أن يقترفوا من المنكر ما شاءوا، فليس لأحد ـ بناء على اجتهاد أولئك المؤلفين ـ أن يغير منكرهم. وتلك التي لا يقول بها عاقل.

أن يكون المنكر بواحًا ظاهرًا، لا يحتاج اليقين بعلمه إلى تفتيش وتجسس، وسواء في هذا أن يكون ظهوره بذاته، أو بما اقترن به، من صوت، أو لون، أو رائحة 000 إلخ. فكل منكر دلت عليه آياته ولوازمه، هو من المنكر الظاهر، الذي يجب تغييره.

أما إن كان المنكر خفيًَّا، يقترف سرًا، فلا يستقيم التفتيش عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت