فنؤذيهم، وفي رواية للبخاري (8) : (( فأخذ فأسًا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا: مالك؟ فقال: تأذيتم بي ولابد لي من الماء ) )وهنا برز صنيع المداهنين المصانعين، الذين يبغون الفتنة في الأرض، تحت شعار الحرية الشخصية، فقال بعضهم كما في رواية للإمام أحمد (9) : (( إنما يخرق في نصيبه ) )، وقال الآخرون: لا، فإن أخذوا على يدي ذلك الخارق، ولم ينخدعوا بمقاله المداهن، الرافع شعار (( الحرية الشخصية ) )نجا الجميع، وإِن تركوه يخرق في نصيبه خرقًا هلكوا جميعًا.
هذا التفصيل لوقائع الأحداث في المشبه به (أصحاب السفينة) يشير إلى وقائع مثلها في حياة الناس، في هذه الأرض.
والرسول صلى الله عليه وسلم ـ اختار موقع أحداث المشبه به سفينة، وهو مكان دال على عظيم تعرضه للمخاطر الجسام، التي لا تخفى، ليهدي الناس إلى أنَّ هذه الأرض، وما عليها، لا تقل تعرضاَ للمخاطر الجسام عما تتعرض له السفينة في بحر لجيَّ، قد تكون خطايا بعض ساكنيها سببًا لهلاك جميعهم حين لا يأخذون على أيديهم.
قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يُحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تُحشرون * واتقوا فتنة لا تُصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب) (الأنفال: 24 ـ 25) .
هذه الصورة الكلية التي رسمها النبي صلى الله عليه وسلم، ببيانه الحكيم تجمع بين واقعين متشابهين متماثلين: واقع ممتد عبر الحياة زمانًا ومكانا، هو واقع القائمين على حدود الله، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وواقع الواقعين فيها، التاركين للمعروف، المرتكبين للمنكر، وواقع المداهنين المصانعين في الحق، الساكتين على الشر، يقابل ذلك الواقع واقع قريب إلى الأذهان والأبصار لا يكاد يغفل عنه، أو يجهله أحد من الناس، هو صورة المشبه به: صورة تجعل المتلقي كأنه يرى الأحداث تجري أمام عينيه: يرى سفينة في بحر لجيّ، يقبل قوم على الإبحار فيها، ويرى تقاسم القوم، واستهامهم مواقع فيها، فإذا قوم في أعلاها، وقوم في أسفلها. هكذا تبدأ الأحداث، دون أن يكون فيها ما يخرجها عن سنن العدالة، وكذلك تبدو الحياة على الأرض، ثم تأتي ضرورات الحياة وحاجاتها، وأثرها في مجرياتها، وعلائق الناس بعضهم ببعض وفقا لمناهجهم في التعامل مع تلك الضرورات والحاجات ومن تكون عندهم، فالأعلون ممتعون بالاستقاء دونما حاجة إلى مرور على غيرهم، فتتحقق ضروراتهم وحاجاتهم دونما اصطدام بالآخرين وكذلك طائفة من الناس في هذه الحياة.
والأسفلون يقتضي تحقيقهم ضرورات حياتهم ومصالحهم المرور على غيرهم والاصطدام بهم، فإذا هم أمام أمرين عظيمين:
ضرورة الاتصال بالآخرين والاحتكاك ببعض شؤونهم.