الصفحة 5 من 58

ولكنه فسرها تفسير أهل الحكمة والبلاغة العالية: إنه يريد، إنكم تكونون خير الناس للناس، إذا ما دعوتموهم إلى الإسلام بالحكمة والقدوة والأسوة والسلوك الملتزم هدي الله تعالى في كل حال، وبالحم والأناة والصبر والمصابرة فتأسرونهم وتأخذون بمجامع قلوبهم وعقولهم فقهًا وسلوكًا، فينقادون لكم وللدخول في الإسلام إعجابًا واقتناعًا، كانقياد الأسير المغلول في السلاسل، فهو أسر دعوة وقدوة وأسوة، لا أسر أغلال وأصفاد، فسيدنا (( أبو هريرة ) )عليم بأن قسر امرئ على عقيدة ما، لا يكون خيرًا له، ولو أنه أراد ظاهر عبارته لكان صدرها متناقضًا مع عجزها، كما لا يخفى، وأبو هريرة، أحكم من أن يختلط عليه ما يقول.

ففي الآية بيان حقيقة الأمة المسلمة، وقوامها: فعل الخير والدعوة إليه والإعانة عليه، وترك الشرِّ والنهي عنه، حتى تستقيم حركة الحياة، فإن بذلك بقاء الحياة وصلاحها، ولذلك جعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحياة في هذه الأرض كمثل الحياة في سفينة تمخر عباب البحر، لا نجاة لها، ولمن فيها، إلا بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والأخذ على أيدي المفسدين.

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (( مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها، إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادُوا هلكُوا جميعًا، وإن يأخذوا على أيديهم، نجوا ونجوا جميعًا ) ) (3) .

الصورة التي يقدمها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لواقع الحياة على هذه الأرض، وعلائق الناس فيها، ببعضهم، ومسؤوليتهم في الحفاظ على بقائها وصلاحها صورة منتزعة من واقع مشاهد،، لا يتأتى لأحد أن يجادل، أو يتوقف فيه البتة، فلن يكون منه إلاّ التسليم بما ينتهي إليه التصوير والمقارنة والموازنة، من هدي يأخذ بأيدي الناس إلى التي هي أهدى وأقوم، اقتناعًا واطمئنانًا، فينقادون إليه انقياد ذي الأغلال، إلى خير، يرمى به إليه.

يشبه الرسول صلى الله عليه وسلم، القائم على حدود الله تعالى، المراقب لها، الواقف عند حماها في جميع شأنه، والواقع فيها، الراتع المنهمك المستمر في انتهاكها، فلا يرعوى، يشبه هذين الصنفين ـ وفي رواية لأحمد (4) يضيف إليهم المداهن في حدود الله. المصانع المنافق، المزين لانتهاك الحرمات، الساكت عن ذلك. الانتهاك، تحت ستار الحرية ـ يشبه هذه الأصناف الثلاثة وعلائقهم ببعضهم على ظهر هذه الأرض، بقوم شاءوا السفر في سفينة تمخر عباب البحر، فكان بينهم استهام المنازل واقتسامها، فكان لبعضهم أعلاها، وكان لبعضهم أسفلها، وهو أوعرها وشرها كما في رواية لأحمد (5) ـ وكذلك منازل الناس في الحياة على هذه الأرض ـ وكان الذين في أسفلها في حاجة إلى أن يستقوا ماءً، فإذا استقوا مرّوا على من فوقهم، النازلين اقتراعًا أعلى السفينة، فكان ضرورة أن يَصُبّّ الأسفلون عند مرورهم على الأعلين، فتأذى الأعلون، وفي رواية للترمذي وأحمد (6) فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا )) فثقل ذلك على الأسفلين: كما في رواية لأحمد (7) فقال الأسفلون: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا فاستقينا منه ولم نمرَّ على أصحابنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت