الصفحة 4 من 58

(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا) (التحريم: 6)

في تلك الآيات وغيرها يمتزج الصالح بالمصلح ليشكل كنه المسلم الذي به تقوم الأمة المسلمة، التي لا تستقيم حركة الحياة بغير قيادتها وريادتها.

وفي السنة أحاديث كثيرة، يمتزج فيها الصلاح بالإصلاح:

(( عن درة بنت أبي لهب، قالت: قام رجلُُ إلى النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو على المنبر فقال: يا رسول الله! أيَّ الإسلام خيرٌُ؟

فقال: صلى الله عليه وسلم: (( خير الناس أقرؤهم وأتقاهم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم ) ) (1) . امتزج الصلاح الذَّاتي (أقرؤه وأتقاهم) بالإصلاح الجمعي (آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم) ، فليس (الإقراء) حسن التلاوة والحفظ فحسب، بل هو إلى ذلك أيضًا: حسن فقه ما يقرأ، وحسن تطبيقه وطاعة ما به أمر وعنه نهي.

فالأمة المسلمة لا يكون المرء فيها صالحًا في نفسه، منصرفًا عن غيره، مشتغلًا بحاله، بل هو صالح في نفسه، ومصلح لما حوله ثانيًا: إنسانًا وكونًا.

والحق عز وجل جعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس بصلاحها وإصلاحها معًا: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) (آل عمران: 110) .

فهي أمة أخرجت للناس، أي لما فيه صالحهم، وقد جعل قوله: (تأمرون بالمعروف 000 إلخ ) ) شرط هذه الخيرية، وبيان كونها أخرجت للناس ولمصلحتهم. وقد فقه الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ذلك فقها بالغًا، فتحققت بهم فقها وسلوكًا الأمة المسلمة، كما يحبها الله تعالى: (( عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ قال: لو شاء الله لقال(أنتم خير أمة) فكنا كلنا ولكن قال (كنتم) فهي خاصة لأصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن صنع صنيعهم (* ) )) قوله (من صنع صنيعهم) : بيان أن من تحقق فيه كما تحقق في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاح والإصلاح في القرون التالية إلى يوم القيامة، فهو منهم.

وقد فسرها (( أبو هريرة ) )أيضًا تفسيرًا كاشفًا عن حقيقة هذه السِّمة الرافعة للأمة من طور (الإسلامية) ، إلى أفق (المسلمة) :

روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: (( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) )قال: خير الناس للناس: تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام )) (2) .

ليس في هذا دعوة إلى إكراه الناس على الإسلام، وقسرهم عليه، فإن سيدنا (( أبا هريرة ) )أفقه وأحكم من أن يفسرها تفسيرًا يصطدم مع قول الله تعالى:

(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (البقرة: 256) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت