الصفحة 56 من 58

وفي هذا إيذانُُ عظيم بأن الجهاد في سبيل الله تعالى، ومنه تغيير المنكر، لا يعفي منه الخوف على الأهلين فيما دون القتل والفتنة في الدين والعرض:

(( عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيبًا فكان فيما قال: (( ألا، لا يمنعنَّ رجلًا هيبةُ الناس أن يقول بحقَّ إذا علمه ) )، قال: فبكى أبو سعيد: وقال: قد والله رأينا أشياء فهُبنا )) (63) .

وعن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق حيثما كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم )) (64) .

وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يُحقِر أحدُكم نفسه ) )، قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: (( يرى أمرًا لله عليه فيه مقالُُ، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا، فيقول خشيت الناس، فيقول: فإياي كنت أحقُّ أن تخشى ) ) (65) .

ومجمل الأمر: أن الخوف على عرض من أعراض الحياة الدنيا، ليس من صور العجز المانع من الاستطاعة التي هي شرط التكليف بتغيير المنكر باليد أو اللسان، ولم يجعل لمن خاف على عرض من دنياه، فسحة في أن يدع تغيير ما يراه من منكر بيده أو لسانه إذا ما كان أهلًا للتغيير اليدوي أو اللساني.

إذا ما كان جليًّا أنَّ تغيير المنكر إنما هو لدرء المفاسد، كيما يتحقق الوجود المتمكن للأمة المسلمة، فإنه إذا ما تيقن المسلم، أو غلب على ظنه الراشد، أن تغييره منكرًا سوف يترتب عليه وقوع منكر أعمّ، أو أبقى أو أنكى أثرًا، فجمهور أهل العلم يذهبون إلى ترك تغيير ذلك المنكر إلى الأدنى، دفعًا لوقوع ما هو فوقه.

يقول (( ابن القيم ) ): إذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدَّهر 000

ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته، فتولد منه ما هو أكبر منه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لمّا فتح الله مكة، وصارت دار إسلام، عزم على تغيير البيت وردَّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه، خشية وقوع ما هو أعظم منه من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت