الصفحة 57 من 58

عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهدٍ بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد، لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه 000 فإنكار المنكر أربع درجات:

(الأولى) أن يزول ويخلفه ضده.

(الثانية) أن يقل وإن لم يزل بجملته.

(الثالثة) أن يخلفه ما هو مثله.

(الرابعة) أن يخلفه ما هو شر منه.

فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة )) (66) .

وتقدير درجات المنكر في حادثات الحياة ونوازلها، وما بينها من مراتب، بحاجة إلى بصيرة نافذة في دقائق فقه الدين، وفي فقه نوازل الحياة، الذي هو أساس فقه التدين، وبحاجة أيضًا إلى الحكمة البالغة، وإخلاص النصح في تحقيق ما اشتبه، وتحرير ما اشتجر، وذلك جهد بالغ لا يقوم به إلاّ صفوة أهل العلم.

يقول الإمام ابن تيمية: (( اعتبار مقادر المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص، لم يعدل عنها، وإلاّ اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلّ أن تعوز النصوص من يكون خبيرًا لها وبدلالتها على الأحكام.

وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكرٍ، بحيث

لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعًا، أو يتركونهما جميعًا، لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر، فإن كان المعروف أكثر، أمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصدّ عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله، وزوال فعل الحسنات 00 وإن كان المنكر أغلب، نهي عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه، أمرًا بمنكر، وسعيًا في معصية الله ورسوله.

وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان، لم يؤمر بهما، ولم ينه عنهما، فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة 000 000

وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة إلا بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت