وليس لعالم، له إلى سلطان سبيل مناصحته في سّرٍ، أن يتقاعس أو يتشاغل عن مناصحته، والإخلاص فيها، والاستعداد للوفاء بحقها، وليس له أن يستبدل بهذه المناصحة في السر، مناصحة في العلانية،
(( عن شقيق، عن أسامة بن زيد، قال: قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه، فقال: أترون أني لا أكلمه إِلاّ أُسِمعكم. والله، لقد كلمته فيما بيني وبينه، ما دون أن أفتتح أمرًا لا أحبُّ أن أكون أول من فتحه ) ) (47) .
وهذا كله إذ أمكن ذلك، فإن لم يمكن الوعظ سرًّا والإنكار، فليفعله علانية لئلا يضيع أصل الحق )) (48) .
وعلى العامة الوقوف مع علماء الأمة ومناصرتهم، والذَّب عنهم وتكثير سوادهم حتى يرسخ في قلوب الولاة هيبتهم، وأنَّ من ورائهم الأمة إذا ما دعوا إلى الحق، فيخضع أولئك الولاة لذلك الحق.
وتاريخ علماء الأمة حافل بالتصدي لقول الحق في وجه الولاة حين ينحرفون علانية عن الحق، وسياق رواية حديث (تغيير المنكر لمن رآه) والذي سبق ذكره (49) ، فيه الدلالة على ذلك حيث قام رجل إلى الوالي، حين أراد مخالفة السنة، بتقديم خطبة العيد على صلاتها، فأنكر بلسانه، فقال أبو سعيد الخدري: أما هذا فقد قضى ما عليه.
وفي رواية للبخاري: أنَّ أبا سعيد فعل ذلك أيضًا مع مروان، وهو أمير المدينة، فأراد أن يخطب قبل الصلاة، يقول أبو سعيد: (( فجبذت بثوبه، فجبذني، فارتفع، فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيّرتم والله، فقال: أبا سعيد، قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة ) ) (50) .
فأبو سعيد أنكر على مروان، وسعى إلى تغيير منكره باليد وباللسان (فجبذت بثوبه) (فقلت له: غيرتم والله) .
وقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على قول الحق لمن جار من الولاة: (( عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ) )أو (( أمير جائر ) ) (51) .
فإن كان السلطان لا يقيم الشرع إعراضًا عنه، أو لا يقيم الصلاة، أو ينكر معلومًا من الدين لا يستقيم بدونه إيمان، كصلاة أو صيام أو جهاد، فإن ذلك السلطان كافرُُ كفرًا يخرجه من الملة، ولا يليق بالأمة السكوت عليه، ويجب عزله ولو بسيف، إن كان لابد من السيف، وإلاّ فغيره أنفع وأحمد سبيلًا إلى عزله.
يُفَسَّرُ التغيير بالقلب بأنه كره المنكر، وأن هذا ليس بإزالة، وتغيير من فاعله للمنكر ولكنه هو الذي وسعه (52) ، وفي هذا نظر.