إذا كان كره المنكرات وأصحابها، فعلًا قلبيًَّا، فإن له واقعًا سلوكيًا في حياة صاحبه يصدق ذلك الكره أو يكذبه، فإن من آيات أو ثمرات كره المنكرات، الإعراض عنها، وعن أصحابها، واجتنابهم، والاعتصام من الاختلاط بهم، وفعل ما يمكن أن يعود عليهم بنفع دنيوي، ووجوب إظهار بغض أفعالهم واحتقارهم ما داموا على منكرهم، ووجوب قطيعتهم في شتى حركات الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ولا سيما المجاهرون منهم بمنكراتهم.
وسبيل مقاطعة أهل المنكر المجاهرين والمرجفين في المدينة، به ضرب من ضروب التغيير المؤثرة، وهو مما لا يعجز عنه أحد أبدًا.
وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخاذ هذا السبيل في واقعة الذين تخلفوا عن غزوة العسرة: (وعلى الثلاثة الذين خُلِفُوا حَتَّى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحُبت 000 الآية) (التوبة: 118) .
وقد وصف (( كعب بن مالك ) )ما كان من تلك القطيعة البالغة الأثر وصفًا فيه الهداية إلى المنهاج الأمثل في سبيل تغيير المنكر بالقلب (53) .
إنَّ مجرد عدم الرضا القلبي عن المنكر وصاحبه، لغير كافٍ في تغيير المنكر، ولا يعد صاحبه مغيِرًا، ولذلك سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفعل القلبي تغييرًا نظرًا لثمرته، التي ينبغي أن تنبثق من هذا الكره القلبي.
(( عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا، اتَّق الله، ودع ما تصنع، فإنه لا يحلُّ لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم، ثم قال:(لُعِنَ الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون * ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أُنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرًا منهم فاسقون) .
ثم قال: كلا، والله لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذنَّ على يدي الظالم، ولتأطرُنه على الحق أطرا، ولتقصرونه على الحق قصرًا )) .
وفي رواية زادت: (( أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم ) ) (54) .
ففي هذا آيات باهرات على أن من التغيير القلبي، مقاطعة أصحاب المنكر وترك مخالطتهم، وذلك الذي لا يعجز عنه أحد، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا التغيير (( أضعف الإيمان ) )ولهذا الحكم عدة وجوه من المعنى أعلاها:
إن تكاليف هذا السبيل من التغيير أضعف تكاليف الإيمان، فكل من تلبس بالإيمان هو قادر عليه. ولذلك جاء قوله هذا مناظرًا لقوله (فإن لم يستطع) في الضربين الأولين: التغيير اليدوي واللساني، فكأنه قال فليغيره بقلبه، وهذا يستطيعه كل مسلم، لأنه أضعف الأيمان. وهو يتناسق من وجه