الصفحة 22 من 58

(( عن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمانُ قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتَّبع عوراتهم، يتَّبع الله عورته ومن يتَّبع الله عورته يفضحه في بيته ) ) (6) .

يقول (( الماوردي ) ): (( ليس للمحتسب، أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات فإن غلب على الظنَّ استسوار قوم بها، لأمارة وآثار ظهرت، فذلك ضربان:

أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة، يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق بصدقه، أن رجلًا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذا الحال، أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرًا من فوات ما لا يستدرك 00000

الضرب الثاني: ما قصر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه، فإن سمع أصوات الملاهي المنكرة، من دارٍ، أنكرها خارج الدار، ولم يهجم عليها بالدخول، لأن المنكر ظاهر فليس عليه أن يكشف عن الباطن )) (7) .

وثمَّ منكرات أعظم أثرًا في الأمة من غيرها كمنكر إشاعة الفتنة في الأمة لتقويض هيبة السلطان المسلم، والخروج عليه، وكمنكر استراق أسرار الدولة وأخبارها لنقلها للعدو، وكمنكر التآمر على إفساد اقتصاد الأمة، وثقافتها وعقيدتها، وصحة أبنائها، والتآمر على إشاعة الفاحشة في الأمة وتغييب عقول أبنائها، وتزوير، إرادة الأمة في اختيار ممثليها في المجالس النيابية، وغيرها، من المنكرات، ذات الأثر الجسيم المبير. فمثل هذه المنكرات يجب اتخاذ السبيل إلى تغييرها ومنعها من قبل وقوعها، وهو مما يبيت له بليلٍ، ولا يكون مجاهرة.

فالتجسس والتفتيش منهي عنه في المنكرات ذات الآثار الفردية الشخصية التي لا يكاد يتعدى أثرها الفادح إلى كثير من الآخرين، أما ما كان من المنكرات مبيرًا ماحقًا عزة الأمة وقوتها، فذلك يجب اتخاذ السبل إلى تغييرها ومنعها من قبل وقوعها، فعموم قوله تعالى: (( ولا تجسسوا) (الحجرات: 12) ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (( إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا ) ) (8) إنما هو عموم نهي عن التجسس مخصص بما كان من المنكرات التي يكون أثرها فادحًا ومقوضًا لهيبة الأمة وعزتها، وسلامتها، بحيث يكون ذلك المنكر أعظم جرمًا من التجسس.

تلك أهم شرائط المنكر الذي يجب على الأمة تغييره.

بيان التغيير: حقيقته وشروطه

التغيير يقال على وجهين: (أحدهما) لتغيير صورة الشيء دون ذاته (والثاني) لتبديله بغيره، نحو غيرت غلامي ودابتي، إذا أبدلت بهما غيرهما.

قاله الراغب في المفردات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت