فالأصل في التغيير استبدال شيء مرغوب فيه، بشيء مرغوب عنه، فهو ليس تركًا وإزالة فحسب، بل يتبعهما إقامة غيره مقامه، فيكون التغيير أخصّ من الإزالة، وأخصّ من النهي عن الشيء.
والحديث قد جاء بالأمر بتغيير المنكر (فليغيره) ، وهو أقرب إلى معنى الإزالة إن كان موجودًا قائمًا، وإلى المنع منه، إن شارف على الوقوع، وليس ظاهر الحديث آمرًا بإزالة المنكر، وإقامة معروف مقامه، وإن كان يغلب تعاقب أحدهما الأخر، فحيث غاب المنكر، كان المعروف، وحيث غاب المعروف، كان المنكر.
وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: (فليغيره) ، يهدي إلى أن تمام الفريضة وكمالها بإقامة معروف مقام ما يزال من المنكر، حتى لا ندع للمنكر مجالًا للعود، فهو لم يقل: من رأى منكم منكرًا فليزله، أو فليمنعه، وإنما فليغيره.
وإذا نظرنا فيما تعلق بهذا الفعل من وسائله وآلاته (بيده، بلسانه، بقلبه) ألفينا دلالة التغيير، تتجدد بتجدد ما تعلق بها فغير خفي، أن التغيير باليد ليس هو التغيير باللسان، فاللسان ليس بآلة إزالة ومنع، بل هو سبب له، وكذلك (القلب) ، ولكن (اليد) قد تكون آلة إزالة وتغيير حقيقي 00 فحقيقة تغيير المنكر، تختلف باختلاف وسيلته، وباختلاف المنكر الذي يقع عليه ذلك التغيير، وباختلاف من يقوم بذلك التغيير.
وللتغيير شرائط وآداب نذكر منها:
أن يكون التغيير إيمانًا واحتسابًا وابتغاءً لمرضاة الله عز وعلا، في تحقيق الوجود المتمكن للأمة المسلمة الفاعلة الرائدة، وليس تغييرًا لعصبية قومية، أو وطنية، أو لغوية، أو حزبية، أو تحقيقًا لهوى في النفس، أو موافقة لما تحب.
فهذه غايات قد يقع تغيير المنكر من أجلها، فيكون هذا التغيير في نفسه منكرًا يحتاج إلى تغيير.
أما التغيير الذي هو عبادة، فإنما هو الخاص لوجه الله تعالى، لا يبتغى به غيره (وما أُمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنَفاء َ) (البينة: 5) ، والله سبحانه وتعالى، قد بين لعباده غناهُ عن الشركاء في حديثه القدسي:
(( أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) ) (9) .
وحين يكون هذا التغيير احتسابًا، يُعينُ الله القائم لهذا التغيير، على الاستعداد له، استعداد قلبيًا وعقليًا ونفسيًا وجسديًا وماليًا، لأن لهذا التغيير تبعات جسامًا وابتلاءات عظامًا، لو لم يكن القائم له محتسبًا وجه الله تعالى، لنكص على عقبيه أو تقاعس عن إنفاذ ما بدأ، وهذا ما يهدي إليه قوله تعالى في بعض وجوه دلالته المتكاثرة: (( يأيُها الَّذينَ آمنوا عليكم أنفُسكم لا يضركم من ضلَّ إِذا اهتديتُم) (المائدة:: 105) فإن من الاهتداء المشروط لانتفاء أضرار الضالين من يقوم بالتغيير أن يكون عملهم مخلصًا لله تعالى ن بل ذلك رأس الاهتداء.