ومن هذا الباب: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أُبّي، وأمثاله من أئمة النفاق والفجور، لما لهم من أعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه، مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك، بغضب من قومه وحميتهم، وبنفور الناس إذا سمعوا أن (( محمدًا ) )يقتل أصحابه )) (67) .
ومن ذلك حين قال عبد الله بن أُبّي في غزاة سكع فيها رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار فتناصرا: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعزُّ منها الأذلّ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقام عمر فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( دعه لا يتحدث الناس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه ) ) (متفق عليه) (68) .
فتلك حكمة النبوة التي يجب أن يتأسى بها القائمون بتغيير المنكر، ولهذا قال (( عمر ) )رضي الله عنه بعد أن استبان له نور الحكمة النبوية في هذا:
(( قد ـ والله ـ علمتُ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظمُ بركة من أمري ) ) (69) .
ومن ثمَّ فإن تغيير المنكر المترتب على تغييره آثار فردية أو جماعية، لا يستقيم القيام به إلا من بعد مراجعة ملابساته ومساقاته، والموازنة بينه وبين آثاره، وهذا يقتضي استشارة أهل العلم والحكمة، فكثيرًا ما يتوقف الطبيب عن معالجة داءٍ ما خشية ما سوف يترتب على معالجته دوائيًا أو جراحيًا من أدواء وآثار أفدح، إلى أن تتهيأ الظروف والملابسات لمعالجته دونما آثار ضارة، وكذلك مُغيِر المنكر يحتاج إلى الحكمة في هذا أكثر من احتياج الطبيب، فإنَّ ما يترتب على غفلة الطبيب في هذا، أقل ضررًا مما قد يترتب على غفلة المغيّر للمنكر 00 ولا أحسب أن أحدًا يتهم مثل ذلك الطبيب بالتقصير أو الخيانة أو الإفراط في القيام بواجبه حينئذ، بل هو بوصف الحكيم النَّطاسيِّ: أجدرُ وأحقُّ 00 وكذلك ينبغي ألا يتهم العامة والدهماء، علماء الأمة حين يوصون بالصبر على ذلك المنكر، حتى تتهيّأ له الظروف ومناخات وملابسات ومساقات أفضل، يؤتي التغيير فيها ثمرًا أطيب وأعظم، وهذا وجه من وجوه المعنى القرآني في قوله تعالى: (ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة) (النحل: 125) ، وفي قوله تعالى: (قُل هذه سبيلي أدعُو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتّبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) (يوسف: 108) .
فالحكمة والبصيرة، دعامتا النجاح في القيام بتغيير المنكر، قيامًا يرضي الله عزَّ وعلا، ويحقق الغاية من التكليف به.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
والحمد لله رب العالمين.