والطواغيت اليوم يعلمون أنه لا يفت في عضد الدعاة كمثل ما يلم بأعراضهم، فإذا بهم اليوم يسلكون ذلك المسلك الماحق: (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال * فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله، إنّ الله عزيز ذو انتقام) (إبراهيم: 46 ـ 47) .
(أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأيتهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم) (النحل: 45 ـ 47) .
تلك الأحوال الثلاثة، التي ينظر في أثرها في من يقوم بتغيير المنكر، بيده أو بلسانه، كفًا عنه، أو إبلاغًا في القيام به: حال الخوف من القتل على نفسه أو أهله، حال الخوف على النفس أو الأهل من انتهاك العرض.
أما دون ذلك من صور الخوف وأحواله، كإيذاء في مال أو عمل أو غير ذلك، فإن الذي تقتضيه المسؤولية الإيمانية الجهادية على كل مسلم ومسلمة الحرص البالغ على الانتصار للدعوة، والقيام بحق تغيير المنكر بما يسع المرء من يد أو لسان، واحتساب كل ما يلقاه من إيذاء وأضرار دنيوية في ماله وعمله وجاهه وراحته وطمأنينته وحريته المكفولة له شرعًا، فلا يليق بمسلمٍ يعتز بإسلامه أن يجعل حرصه على ماله أو وظيفته أو تجارته 000 إلخ أحبَّ إليه وأعزَّ عليه من الله عزَّ وعلا، ومن رسوله صلى الله عليه وسلم وتطهير الأمة من المنكر.
(قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فترَّبصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) (التوبة: 24) .
(( وهذا التجرد لا يطالب به الفرد وحده، إنما تطالب به الجماعة المسلمة، فما يجوز أن يكون هناك اعتبار لعلاقة أو مصلحة، يرتفع على مقتضيات العقيدة في الله ومقتضيات الجهاد في سبيل الله.
وما يكلف الله الفئة المؤمنة هذا التكليف، إلاّ وهو يعلم أنَّ فطرتها تطيقه 00 فالله لا يكلف نفسًا إلاّ وسعها، وإنه لمن رحمة الله، بعباده أن أودع فطرتهم هذه الطاقة العالية من التجرد والاحتمال، وأودع فيها الشعور بلذة علوية لذلك التجرد لا تعدلها لذائذ الأرض كلها 00 لذَّة الشعور بالاتصال بالله، ولذة الرجاء في رضوان الله، ولذة الاستعلاء على الضعف والهبوط والخلاص من ثقلة اللحم والدم، والارتفاع إلى الأفق المشرق الوضيء، فإذا غلبتها ثقلة الأرض، ففي التطلع إلى الأفق ما يجدد الرغبة الطامعة في الخلاص والفكاك )) (62) .
وفي قوله تعالى: (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) ، تهديد بالغ لمن لم ينعتق من أسر حبَّ الأهلين، ومتاع الحياة الدنيا، وتفضيله على حبَّ الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والجهاد في سبيل الله جل جلاله.