الصفحة 54 من 58

وتحقيق القيام بتلك الفريضة البالغة الأثر في تحقيق قيام الأمة المسلمة الرائدة القائدة، المخرجة الناس من جور السلاطين إلى عدل الإسلام، ثم الصبر على ما يلقاه الداعية من أهل الباطل من كل صنوف وفنون الافتتان والابتلاء.

وفي قصِ القرآن موعظة (( لقمان ) )ابنه، إيذان بالغ بالأمر الإيجابي بما تضمنته من هذه الدعائم الأربع. فإنَّ أهل العلم ليذهبون إلى أنَّ سنَّة البيان القرآني في الأمر بالفعل: الإخبار عنه أو عن صاحبه في سياق المدح، أو الرضا عنه أو عن صاحبه (61) ، وذلك ما هو الجلي في القصص القرآني وما يحكيه من أخبار السابقين.

المسلم القوي الإيمان، جدير بأن يصبر على الفتنة والابتلاء، وجدير به قبل التصدي للدعوة إلى الله تعالى، وإلى تغيير المنكر بيده، أو لسانه، أن يدرب نفسه وأهله على الصبر على الابتلاء، وعلى الصمود أمام المحن، وأهوال التعذيب، الذي يبدع فيه الطواغيت وشياطينهم.

إنَّ صبر الدعاة وأهليهم على تعذيب الطغاة، لينكأ في سويداء الطواغيت أعظم من السهام المسمومة، وإنَّ مضاجعهم لتُقضُّ بهم من مصابرة الدعاة ومرابطتهم واحتسابهم ما يلقونه من تعذيبهم ونكالهم.

وفي القرآن حث بالغ على الصبر والمصابرة في سبيل الإيمان، والدعوة إليه، والدفع عنه، وتغيير المنكر: (يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إنّ الله مع الصابرين) (البقرة: 153) .

(إن تمسسكم حسنة تسؤهم. وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها، وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا إنَّ اللهَ بما يعملون مُحيط) (آل عمران: 120) ؟

(لتُبلونَّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ومن الذين أشركوا أذىً كثيرًا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) (آل عمران: 186) .

(يأيُها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) (آل عمران: 200) .

وعلى الرغم من ذلك، فقد جعل الله لمن خشي على نفسه، أن يمسك عن التغيير باليد أو اللسان، بل أذن له فيما فوق ذلك: أذن له أن يكفر بلسانه وحده مع اطمئنان قلبه بالإيمان إذا ما خشي على نفسه: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلاّ من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضبُُ من الله ولهم عذاب عظيم) (النحل: 106) .

فإذا خاف المرء على عرضه أو عرض أهله، بانتهاك حرمته، كمثل ما يفعل الطواغيت الآن في المعتقلات والسجون، فإنّ الأعلى في هذه الحال أن يكف المسلم عن تغيير المنكر بيده أو لسانه، ويقيم على تغييره بقلبه، على النحو الذي وضّحناه، فإن حفاظ المسلم على عرضه وعرض أهله أولى وأوجب من الحفاظ على نفسه وأهله وماله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت