الصفحة 53 من 58

أنفذ أثرًا في الدعوة، وأهزُّ لعروش الطغيان، فالأولى القيام بحق التغيير، والصبر على الإيذاء والقتل (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلَنا وإنّ الله لمع المحسنين) (العنكبوت: 69) .

أما إن كانوا ممن يخشى عليهم الفتنة في الدين، فالأعلى بل الأوجب حمايتهم من الفتنة، بالكف عما يؤدي إليها من تغيير المنكر باليد أو اللسان، حتى يزول ما يخشاه عليهم وحتى يرقى إيمانهم إلى درجة الرسوخ والصمود أمام المحن.

وإذا ما كان حال الخوف على الأهل، لذوي العلم والقدوة، فإن حال غيرهم من العامة أولى بحمايتهم من الفتنة، بالكف عما قد يسبب تعرضهم للفتنة في دينهم.

وإذا خاف المرء على نفسه وأهله التعذيب الجسدي، أو المعنوي الفاتن، فتُقدرُ الأمور بقدرها. إن كان قادرًا على الصبر واحتماله، موقنًا أنَّه لن يفتن في دينه، فالأعلى له وللدعوة وللأمة أن يستعين بالله تعالى على ذلك، ويصبر، ويصابر فيغير المنكر الذي رآه، سواء كان من العلماء القدوة أو ممن هم دون ذلك ما دام قد تحقق التيقن على الصبر والاحتمال. وأهل العلم وطلابه أولى بذلك من غيرهم، فإن الله تعالى ـ قد نعى على من يدعي الإيمان ولا يصبر على تكاليفه، وعلى مقتضيات الدفاع عنه ونشره. يقول جل جلاله (ألم* أحسب النَّاسُ أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم * فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) (العنكبوت: 1 - 3) .

فما كان الإيمان قط كلمات تلوكها الألسنة، وإلا لما توقف في قولها كفار مكة حين طولبوا بالإيمان، وإنما هو تكاليف ومجاهدة ومصابرة 00 ودعوى القيام بتلك التكاليف، يحتاج بيان الزائف منها والخالص، إلى ابتلاء وفتنة كمثل فتنة النار الذهب، فلا يبقى منه إلا ما خلص ونصح، فمن أذهبت الفتنة دعوة الإيمان من قلبه، فهو الكذاب الأشر في دعواه الإيمان.

وهذا الأنموذج المتخاذل المستخدم أمام الفتنة والبلاء، شاخص في كل جيل: (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أُوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله * ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنّا معكم * أو ليس اللهُ بأعلم بما في صدور العالمين) (العنكبوت: 10) .

وما كان الله مصورًا بهذا من ضعف لحظة عن احتمال الفتنة، ولكنه يصور بهذا من (جعل فتنة الناس كعذاب الله) ذلك الذي اختلطت في حسه الفارقات بين ما هو من عذاب الله، وما هو من فتنة الناس، فحسب أنهما سواء، ومثل هذا لا يقوم في قلب خالطه الإيمان مهما بلغ الناس في فنون الفتنة والتعذيب، فكل فتنة ومصيبة دون النار عافية.

فمن ادعى الإيمان ولم يصبر على الفتنة فيه، كانت دعواه سرابًا، ولذا كان من مقتضيات دعوى الإيمان: الثبات عليه، واتخاذ الأسباب المحققة للصبر على تكاليفه، وقد حكى الحق موعظة (( لقمان ) )لابنه لنتأسى بها: (يا بُني أقم الصَّلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) (لقمان: 17) .

فهذه الدعائم الأربع لنجاح الداعية: إقامة الصلاة، بكل ما تتطلبه من مقتضيات في بناء شخصية الداعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بكل ما يتطلبانه من زاد وفير لتكوين شخصيته،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت