(ولمّا رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتُم أمر ربّكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجُرُهُ إليه قال ابن أمّ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تُشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين* قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين) (الأعراف: 150 ـ 151) ,
يقول ابن العربي: (( وفي هذا دليل على أن لمن خشي القتل عند تغيير المنكر، أن يسكت عنه ) ) (60) .
في هذا الاستدلال نظر مفصل:
إنَّ سيدنا (( هارون ) )إنما كف عن منع بني إسرائيل، بعد أن بلغ في ذلك
مبلغًا عظيمًا، وخشي على الدعوة، وهو خليفة أخيه (( موسى ) )عليهما السلام، فلو أنه قتل، وليس فيهم (( موسى ) )عليه السلام لكانت آثار ذلك جدَّ فادحة على الدعوة فأيقن بنور النبوة وحكمتها، أن الصبر عليهم، وترك التصدي لهم، حتى يعود موسى عليه السلام، أنفع وأعلى للدعوة وللأمة، من الإقدام على التصدي والاستشهاد في سبيل الله، فإن في الاستشهاد خيره وحده، وهو إنما يريد الخير للأمة والدعوة، فسيدنا (( هارون ) )عليه السلام ما سكت مخافة قتله فقط، (( إنما خشي تفرق الأمة من بعد قتله:(إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقُب قولي) (طه: 94) ، فحرصه على القيام بحق ما كلفه به (( موسى ) )عليه السلام، وهو ذاهب إلى الميقات (اخلُفني في قومي وأصلح ولا تتّبع سبيل المفسدين) (الأعراف: 142) ، وهو السبب الرئيس إلى كف سيدنا (( هارون ) )عليه السلام عن التصدي لهم، من بعد أن بلغ في دعوتهم والتصدي لهم مبلغًا عظيمًا.
وللعالم الداعية في ذلك أسوة حسنة، فإذا ما رأى أن تصديه للمنكر وإقدامه على الاستشهاد في سبيل الله تعالى، خسران بالغ للدعوة والأمة، وإن كان فيه نفع له وحده، أن يقدم صالح الدعوة والأمة على صالحه هو، وذلك كأن يكون إمامًا في قومه ذا منهج بديع في الدعوة وذا أثر نافذ في القلوب لا يتحقق من غيره كمثل تحققه منه، وأنه يستفاد منه سالمًا في الأمة أكثر من استشهاده، فليكن حرصه حينذاك على سلامته من القتل أولى وأعلى من حرصه على استشهاده، حتى يتمكن من تربية قادة يخلفونه وأجيال تحمل أمانة الدعوة من بعده.
أما إن رأى العالم بحكمته أنّ في صبره واستشهاد إلهابًا وتأجيجًا لجذوة الانتصار للحق في قلوب الأمة، وكان في الناس من يخلفه في الدعوة، فالأعلى أن يصبر حتى يقتل.
وإن كان الخائف على نفسه القتل، ليس من أهل العلم والقدوة، فأحبّ إليّ أن يدع ذلك التغيير حتى يزول ما يخشاه، ما دام في الأمة من يقوم به ممن هو الأعلى منه من أهل العلم، شريطة أن يناصرهم بما يستطيع، وأن يخلفهم في أهليهم.
أما الخوف على الأهل، ولا سيما الوالدان والزوجة والأولاد، فالأحب إليّ أن يقدر العالم القدوة حالهم، فإن كان أهله ممن لا يفتنون في دينهم، وكان القتل أحب إلى نفوسهم، وكان القتل أيضًا