روى الحاكم مرفوعًا عن جابر: (( سيد الشهداء حمزةُ بنُ عبد المطلب، ورجلُُ قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ) ).
وروى مسلم بسنده عن (( صهيب ) )حديثًا طويلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن غلام ممن كان قبلنا، بحث عن الحق والهدى حتى علمه وآمن به ودعا إليه، وعاش له، فتوعده الملك إن لم يكف عن دعوته قتله، فوجد أن في قتله نفعًا للدعوة فصبر، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا الجبل فقال: (( اللهم اكفنيهم بما شئت ) )، فَرَجَفَ بهم الجبل، فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال كفانيهم اللهُ، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه على (( قُرقُورٍ ) )فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: (( اللهم اكفنيهم بما شئت ) )فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال كفانيهم اللهُ، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو! قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثمَّ خذ سهمًا من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني به فإنك إن فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله ربِّ الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات.
فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام، فأتى الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السّكك فخدّت، وأضرم النيران، وقال من لم يرجع عن دينه فاحموه فيها، أوقيل له: اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبّي لها، فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أمه، اصبري، فإنك على الحق )) (58) .
في هذا القصص الحق دلالة باهرة وإيذان بالغ بأن تضحية الداعية والعالم والقدوة بنفسه في سبيل دعوته الحقة ذات أثر عظيم، ونفع عميم للدعوة وتأجيج جذوة الاستمساك بها في صدور الأمة، فيكون ذلك أنفع للدعوة.
والعالم الداعية ذو الحكمة قادر ـ بعون الله تعالى ـ على أن يقدر الأمور بما هو أنفع وأنجع.
وكل ذلك من باب العزيمة التي هي أليق بحال أهل العلم والدعوة، ويبقى لهم باب الفسحة والرخصة مفتوحًا، فمن خاف القتل إن غيّر المنكر، فله أن يدعه حتى يزول خوفه، ولكن الصبر والتضحية أعلن وأسمى.
يقول (( ابنُ بطّال ) ): (( النصيحة لازمة على قدر الطاقة إذ علم الناصح أنه يُقبل نصحه ويُطاع أمره، وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي على نفسه أذىً، فهو في سعة ) ) (59) .
ويجعلون له في سيدنا (( هارون ) )عليه السلام في هذا أسوة، فقد كفّ عن بني إسرائيل، وحملهم عن تغيير منكر عظيم هو عين الشرك حين خشي على نفسه القتل: