الصفحة 7 من 58

وتلك حال الجمهرة الكاثرة من الناس في هذه الحياة، وهنا تكون الحكمة والحنكة، وتقدير الأمور بمقاديرها، وفقًا لما يقضي به حسن البصيرة والفراسة، واستبصار العواقب من الأسفلين، ومن شاكلهم، وهنا يكون الإيثار والصبر الجميل، والاحتساب والفضل من الأعلين، ومن شاكلهم.

الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هديه هذا يرسم لنا صورة لما هو الغالب على الطائفتين في الحياة: الأعلين والأسفلين، فلا أيثار ولا احتساب ولا فضل من الأعلين، ولا حكمة ولا حسن بصيرة من الأسفلين. فيصور لنا الأعلين، وقد تأذوا من مرور الأسفلين عليهم، والمرور حقهم وضرورة من ضروراتهم، فكان هذا من الأعلين غير حميد.

إِنَّ اقتسام الأشياء عدالة وارتضاء، لا ينفي أن يكون للآخرين بها بعض الحق ولو من وجه خفي، فليس الذي يملكه هذا، بِخال من حق الآخرين فيه، فكل أمر الإنسان وشأنه وماله من الموجودات حسًا، ومعنى، لغيره فيه بعض الحق: جسده وعقله وقلبه، ماله وولده وعلمه، تقواه وقدره وجاهه 000 إلخ.

وما يكون لأحد، ولا ينبغي له أن يتبرم من أن يستعمل الآخرون ما لهم من حق، فيما ملكت يده بفضل الله تعالى. وغير قليل من الناس تضيق نفوسهم حين يطلب الآخرون حقوقهم عندهم، فترتسم آيات الضجر على الوجوه، وقد تلفظ الأفواه كلماتٍ طاعنات، وقد تمتد الأيدي، بما يؤذي الطالبين حقًا لهم، وما ذلك بالمنهج الأمثل في الإسلام.

الأمثل إسلامًا، إظهار البشاشة والرضا، حين يطلب الآخرون حقوقهم، بل من حقهم على من تكون حقوقهم في أيديهم، أن يبثوا في نفوسهم رضاهم باستخدام حقهم المتعلق بما ملكت أيديهم، ويوحون إليهم، أن أخذه منهم أحبُّ إليهم، أو كمثل حبهم هم، أن يأخذوا ما لهم عند غيرهم، فقد هدى النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله: (( لا يؤمن أحدكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه ) ) (10) .

وفيما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من حال الأعلين، تصوير لما يكون من بعض الأمة من دافعات إلى الخطايا، وإن كثيرًا مما يقترفه الجاهلون، يحمل جمعُُ من غيرهم أوزار حملهم عليه واضطرارهم للتردي فيه، بما يكون منهم، من أساليب حاملة على ذلك. منها ما هو مقصود، ومنها ما هو عن غفلة وجهالة.

من مسؤولية الأعلين ومن ضارعهم في الأمة، أن يعتصموا من حمل غيرهم على التردي في الخطايا.

الغني حين يمتنع عن أداء زكاة ماله، أو يتأخر في إخارجها، يحمل بعض الفقراء على التردي في بعض الخطايا: سرقة، أو استجداءًا أو احتيالًا، فتُخرَقُ السفينة.

الزوج حين يحرم زوجه من بعض حقوقها الحسية والمعنوية، يحملها على أن تسقط في مستنقع النشوز أو الخيانة، فتُخرقُ السفينة.

الأب حين يحرم بنيه بعض حقوقهم، يحملهم، على التردي في هاوية العقوق، فتُخرقُ السفينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت