وقالَ بعضُ أعيانِ الدِّهْلِيّ: حقيقةُ العدالةِ المرادةِ في الكلَّيةِ المذكورة: التَّجنُّبُ عن تعمُّدِ الكذبِ في الرِّواية، وهو سيرة الصَّحابةِ كلُّهم حتَّى مَن دخلَ منهم في الفتنةِ والمشاجرات، والدَّليلُ على ذلك: إنَّ هذه العقيدةَ لا توجدُ في كتبِ العقائدِ القديمة، ولا كتبِ الكلام، وإنَّما ذَكَرَها المحدِّثونَ في أصولِ الحديثِ في بيانِ تعديلِ طبقاتِ الرُّواة، وإنَّما نقلُ هذهِ العقيدةَ من تلك الكتبِ في كتبِ العقائد، وإنَّما فعلَ ذلك مَن خَلَطَ منهم في الحديثِ والكلامِ من غيرِ تعمُّقٍ ولا شُبْهةَ أنَّ العدالةَ التي يتعلَّقُ بها غرضُ الأصوليِّ هي العدالةُ في الرِّوايةِ لا غير، وعلى هذا فلا إشكال (1) . انتهى كلامه.
-ومنها -
ما نُقِلَ عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: لو كانت القهقهةُ حَدَثًا في الصَّلاةِ لكانت (2) حَدَثًا خارجِها أيضًا؛ لأنَّ نواقضَ الطَّهارةِ سوى فيهما: الصَّلاةُ، وخارجُها، كما في سائرِ الأحداث.
والجوابُ عنه
(1) وأشار الإمام اللكنوي في (( ظفر الأماني ) ) (ص 486 - 487) إلى هذا المعنى في عدالة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فقال: وقد تجيء العدالة بمعنى ما يقابل الكذب في الرواية، فيقال لمن هو مجتنبٌ عنه: عادلٌ بعد أن يكون مسلمًا عاقلًا، وإن لم يكن سالمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة، وبهذا المعنى يقال: إن الصحابة كلَّهم عدول، حتى من دخل منهم في المشاجرات والمخاصمات.
وفهم من قولهم هذا جمعٌ من أبناء عصرنا أنهم معصومون عن الكبائر، محفوظون عن جملة الصغائر، فلم يسلِّموا هذه الكلية، وقالوا: الصحابة بعضهم عدول، وبعضهم ليسوا بعدول، وهو قول فاسد، مبنيٌّ على فهمِهم الكاسد. ا.هـ.
(2) في الأصل: كان.