بالجملة؛ فالحنفيَّةُ إنَّما اشترطوا الاشتهارَ في الخبرِ الواقعِ في ما يعمُّ به البلوى، ويكثر وقوعُهُ لا في العوارضِ النَّادرة، فلا يلزمُ عليهم شيء.
-ومنها -
إنَّهُ قد فُصَّلَ في أصولِ الحنفيَّة أنَّ الرَّاوي إن عُرِفَ بالفقه، والتَّقدمِ في الاجتهادِ كالخلفاءِ الرَّاشدين كان حديثُهُ حجةً يُتْركُ به القياس.
وإن عُرِفَ الرَّاوي بالعدالةِ دونَ الفقه، فإن وافقَ القياسَ حديثُهُ قُبِل، وإن خالفَهُ لم يتركْ إلا للضَّرورة، ومثَّلوهُ بخبرِ المُصَرَّاةِ (1) المرويِّ في (( صحيحِ مسلم ) )وغيره، وهو ما رواهُ أبو هُرَيْرةَ مرفوعًا: (لا تُصِرُّوا الإبِلَ والغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظِريْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا، وَصَاعًَا مِنْ تَمْر) (2) ، فهذا الحديثُ مخالفٌ للقياسِ من كلِّ وجه، وراويهِ أبو هريرةَ وهوَ غيرُ فقيه، فلم يقبلْ عندهم.
ولا شكَّ في أنَّ خبرَ القهقهةِ أيضًا كذلك، فإنَّهُ مخالفٌ للقياسِ من كلِّ وجه، ومن رواتِه، أبو هريرة، وهو غيرُ فقيه، فكيفَ قبلوه؟
والجوابُ عنه من وجوه
(1) المُصَرَّاةُ: هي الناقة أو البقرة أو الشاة يُصَرَّى اللَّبَنُ في ضرعها، أي يجمع ويحبس. انظر: (( اللسان ) ) (3: 2441) .
(2) في (( صحيح البخاري ) ) (2: 755) ، و (( صحيح مسلم ) ) (3: 1155) ، و (( صحيح ابن حبان ) ) (11: 343) ، وغيرها.