الصفحة 58 من 107

فأدخلتُ على الرَّشيد فإذا هو جالسٌ على كرسيٍّ من ذَهَب،

حاسرًا (1) عن ذراعيه، وبيدِهِ السَّيف، فلمَّا رآني قال: يا ابن حبيب، ما تلَّقاني أحدٌ بالرَّدّ، ودفعَ قولي مثلَ ما تلقيتني به.

فقلت: يا أميرَ المؤمنين، إن الذي حاولت عليه، فيه ازدراءٌ على رسولِ اللهِ وعلى ما جاءَ به.

فقال: كيف ويحك؟!

قلت: لأنَّهُ إذا كانَ أصحابُهُ كذَّابين، فالشَّريعةُ باطلةٌ والفرائضُ والأحكامُ كلُّها غيرُ مقبولة، لأنَّهم رواتُها، ولا تعرفُ إلا بواسطتهم، فرجعَ الرَّشيدُ إلى نفسِه.

وقال: الآن أحييتني أحياك الله، ثمَّ أمر لي بعشرةِ الآف درهم (2) .

وثالثها: وهو أقواها، إنَّ اشتراطَ فقاهةِ الرَّاوي لقَبُولِ الحديثِ المخالفِ للقياسِ إنَّما هو مشربُ بعضِ الحنفيَّة، وإنَّما يرى أكثرُ كتبِ المتأخرين مشحونةً به، لأنَّ فخرَ الإسلامِ عليًَّا البَزْدَوِيِّ (3) مشى عليه في أصولِه (4) ، فتبعَهُ المتأخِّرون لكونِهم لا يمشون إلا حيثُ مشى فخرُ الإسلام، ويظنُّونَ أنَّ كلَّ ما نصَّ عليه طريقٌ إلى دارِ السَّلام.

(1) في الأصل: حاسر.

(2) انتهى من (( حياة الحيوان ) ) (1: 280 - 281) .

(3) وهو عليُّ بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البَزْدَوِيّ، أبو الحسن، فخر الإسلام، نسبة إلى بَزْدَة قلعة حصينة على ستة فراسخ من نَسَفَ، قال الكفوي: الإمام الكبير، الجامع بين أشتات العلوم، إمام الدنيا في الفروع والأصول، له تصانيف كثيرة معتبرة، وقال السمعاني: فقيه ما وراء النهر وأستاذ الأئمة وصاحب الطريقة على مذهب أبي حنيفة، من مؤلفاته: (( المبسوط ) )، و (( أصول البَزْدَويّ ) )، و (( شرح الجامع الكبير ) )، و (( شرح الجامع الصغير ) (400 - 482 هـ) . انظر: (( الجواهر ) ) (2: 594 - 595) . (( تاج التراجم ) ) (ص 205) . (( كتائب أعلام الأخيار ) ) (ق 156/ب-157/ب) .

(4) ينظر: (( أصوله البزدوي ) )وشرحه (( كشف الأسرار ) ) (2: 380) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت