وقد انقسم الفقهاء في هذا الموضوع فرقاء، وجرت بينهم مناظرات في مختلف الحقب الإسلامية، دون أن يحسم في الأمر بقول فصل. من ذلك، ما روي عن زرقان صاحب أحمد بن أبي دؤاد قاضي المعتصم قال:"رجع ابن أبي دؤاد ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتم، فسألته، فقال: وددت اليوم أني قد مت منذ عشرين سنة، فقلت لم ذاك؟ فقال: لما كان من هذا الأسود أبي جعفر محمد بن علي بن موسى، قلت: وكيف ذلك؟ قال: إن سارقا أقر على نفسه بالسرقة، وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء وأحضر محمد بن علي، فسألنا عن القطع، في أي موضع يجب أن يقطع؟ فقلت من الكرسوع (وهو طرف الزند الناتئ مما يلي الخنصر) فقال: وما الحجة في ذلك؟ فقلت: لأن اليد هي الأصابع والكف إلى الكرسوع، يقول الله تعالى في التيمم: ?فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ?النساء:43، واتفق معي على ذلك قوم، وقال آخرون: بل يجب القطع من المرفق لأن الله تعالى لما قال: ?وَأَيْدِيَكُمْ إِلَىالْمَرَافِقِ ?دل على أن حد اليد هو المرفق. فالتفت إلي محمد بن علي بن موسى فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال: تكلم القوم فيه يا أمير المؤمنين، قال المعتصم: دعني مما تكلموا به، أي شيء عندك؟ قال أبو جعفر: اعفني من هذا. قال: أقسمت عليك بالله لما أخبرت بما عندك فيه، قال أبو جعفر: أما إذ أقسمت علي بالله، فإني أقول: إنهم أخطأوا فيها السنة، فإن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع، فيترك الكف. قال: وما الحجة في ذلك؟ قال: قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"السجود على سبعة أعضاء: الوجه واليدين والركبتين والرجلين"فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق، لم يبق له يد يسجد عليها. وقال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) الجن:18 يعني هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها، وما كان لله لم يقطع،"