فأعجب المعتصم ذلك، وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف"."
وإذ تبين لنا أن جميع الفرقاء لم يقم لهم دليل قطعي على مكان القطع ومقداره، تأكد لنا حاجة الموضوع إلى زيادة بحث وتأمل وتدقيق، كي نهتدي إلى القول الفصل والحل الأمثل، لا سيما إذا ما اعتبرنا أن أقوى دليل على عدم وجود نص صريح صحيح هو اختلاف كرام الصحابة وعليتهم (الخلفاء الراشدين) في الموضوع، مثل أبي بكر الذي قطع من المفصل، وعلي الذي قطع الخنصر والبنصر والوسطى.
ولعل من أسباب الاختلاف في موضوع القطع هو أن الفقهاء بحثوا مفهوم كلمة"يد"لغويا، ولم يبحثوا معنى مادة"قطع"لغويا. ولو فعلوا لتكامل لديهم معنى الكلمتين:"يد"و"قطع". فهم بعضهم أن لفظة"يد"تطلق على العضو من رؤوس الأصابع إلى المنكب، وفهم آخرون أنها إلى المرفق، وفهمها غيرهم أنها إلى الرسغ، وفهم علي بن أبي طالب أن قطع جزء من اليد -الأصابع - يجزئ.
ولكن مادة"قطع"في اللغة العربية لا تعطينا هذا المعني فقط، ففي تفسير قوله تعالى: ?أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ?يقول القرطبي: قال مجاهد:"قطعنها حتى ألقينها"وقيل خدشنها. قال النحاس: يريد مجاهد أنه ليس قطعا تبين منه اليد، إنما هو خدش وحز.
ومن هذا الشرح اللغوي يبدو لنا واضحا أن القطع يفيد الجرح، وذلك معروف في اللغة أن يقال إذا خدش الإنسان يد صاحبه: قطع يده.
وقال الزمخشري في الكشاف:"قطعن أيديهن"جرحنها، كما تقول: كنت أقطع اللحم، فقطعت يدي، تريد: جرحتها"."