الصفحة 57 من 64

لا يجادل أحد بأن آل سعود يعتمدون بشكل كبير على مؤسسة دينية ضخمة تؤمّن لهم"الشرعية"، ويُجمع كل آل سعود - حتى الملحدين منهم - على ضرورة هذه المؤسسة، لتأمين انقياد الشعب، الذي يشكل الدين جزءًا رئيسيًا من تركيبته النفسية والثقافية، وأهم مكونات هذه المؤسسة الدينية، هي هيئة كبار العلماء، والقضاة، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورغم ضخامة هذه المؤسسة من حيث العدد، لكن قيمتها المعنوية مرتبطة بعدد قليل جدًا من العلماء، منحوها ثقلها في الوقت الحاضر وحولوها إلى قوة فاعلة، ولولا الارتباط برمز أو رمزين من أولئك العلماء لتهاوت كل تلك المؤسسة وتهاوى ثقلها تمامًا، وسبب ذلك أن الذين يشكلون هذه المؤسسة، سواء كانوا أعضاء في هيئة كبار العلماء أو قضاة أو في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هؤلاء نوعين:

الأول: مغمور غير معروف وليس له تاريخ علمي أو دعوي يجعل منه صاحب ثقل ينتفع به النظام.

والثاني: مشهور ومعروف لكنه مفضوح في خيانته للدين ومُتفق على أنه يأكل بدينه ويبيع الفتاوى ويتاجر بعلمه الشرعي.

ويبقى سوى أولئك شخص أو شخصان من المعروفين المشهورين بسعة معرفتهم بالعلوم الشرعية ونشاطهم العلمي والتدريسي، وفي نفس الوقت صلاحهم على المستوى المالي والسلوكي، ونجاتهم من مشكلة المتاجرة"ماليًا"بالفتاوى والمواقف الدينية.

قبل أن تبدأ مواجهة الصحوة مع النظام، وقبل أن يدخل العلماء في اختبار"تغيير المنكر"كان قد سطع نجم هؤلاء للسببين المذكورين سابقًا، ولسبب آخر هو غياب المواجهة بين الإسلام والنظام مما جعل المقياس محدودًا على الصلاح الشخصي والأمانة المالية ودرجة الزهد والتنسك، أما اختيار العلماء على قدر مواجهتهم للظلم وصدعهم بالحق وإنكارهم للمنكر، فلم يكن ذلك الميدان قد فتح بعد، ولذا فاز نفر قليل من العلماء الرسميين بالقبول لدى الناس، وكسبوا مصداقية كبيرة.

جاءت أزمة الخليج وكان الاختبار الأول فانكشف العلماء الرسميون لأول وهلة ولم يقل واحد منهم كلمة الحق، بل لقد تجاوز بعضهم الفتوى بجواز الاستعانة بالكفار إلى جعلها واجبة ومن ثَم آثم من لم يقم بها!

وحين تحرك الدعاة والعلماء ينتقدون الأوضاع الخاطئة سعيًا لتغيير المنكر بلسانهم وقيامًا بواجب البلاغ والصدع بالحق الذي تخلف عنه أولئك الرسميون، حدث تطور آخر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت