المستجن بطيبة ينادي بأعلى الصوت: يا آل هاشم! أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى رماحهم، والدين واهي الدعائم، ويجتنبون النار خوفا من الردى، ولا يحسبون العار ضربة لازم، أنرضي صناديد الأعراب بالأذى، وتغضى على ذل كماة الأعاجم، فليتهم إذا لم يذودوا حمية عن الدين، ضنوا غيرة بالمحارم والأعراض. والله المستعان على أهل الخذلان.
ونصوص الفقهاء في هذه المسألة كثيرة جدا، وهي واضحة وصريحة في الوجوب العيني على جميع المسلمين في"جهاد الدفع"، وأنه لا يفتقر لا لإذن إمام، ولا لفتوى من شيخ من هنا أو هناك، ولا يجحد مضمونها إلا مكابر عنيد، ومن ذلك:
ما قاله أبو بكر ابن العربي في"أحكام القرآن"2/ 517:"إذا كان النفير عاما لغلبة العدو على الحوزة أو استيلائه على الأسارى كان النفير عاما، ووجب الخروج خفافا وثقالا، وركبانا ورجالا، عبيدا وأحرارا، من كان له أب من غير إذنه، ومن لا أب له حتى يظهر دين الله، وتحمى البيضة، وتحفظ الحوزة، ويخزى العدو". اهـ.
وقال ابن عطية في"تفسيره"8/ 346:"واستمر الإجماع على أن الجهاد على أمة محمد فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين يسقط عن الباقين إلا أن ينزل العدو بساحة للإسلام، فهو حينئذ فرض عين". اهـ.
وقال ابن بلبان الدمشقي في"أخصر المختصرات"ص161 عن الجهاد بشقيه (الطلب والدفع) :"هو فرض كفاية إلا إذا حضره، أو حصره، أو باغته عدو، أو كان النفير عاما، ففرض عين ... وعلى الإمام منع مخذل، ومرجف". اهـ.
وقال المرغياني في"الهداية شرح البداية"2/ 135:"فإن هجم العدو على بلد وجب على جميع الناس الدفع، تخرج المرأة بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن المولى؛ لأنه صار فرض عين، وملك اليمين، ورق النكاح لا يظهر في حق فروض الأعيان كما في الصلاة والصوم". اهـ. ومثل ذلك قاله الكاساني في"بدائع الصنائع"7/ 98، وزاد:"وكذا يباح للولد أن يخرج بغير إذن والديه؛ لأن حق الوالدين لا يظهر في فروض الأعيان كالصوم والصلاة". اهـ.
فانظر وتأمل كيف شبهوا فرض العين في"جهاد الدفع"بفرض العين في"الصوم"و"الصلاة".
ونقل صاحب"مواهب الجليل"3/ 349 عن ابن حبيب قال:"سمعت أهل العلم يقولون: إن نهى الإمام عن القتال لمصلحة حرمت مخالفته إلا أن يدهمهم العدو". اهـ.