الصفحة 33 من 44

فمن كان ذا عقل ولم يك ذا غنى يكون كذي رِجْلٍ وليست له نعلُ

ومن كان ذا مال ولم يك ذا حِجَى يكون كذي نعل وليست له رِجل

تذكير العقلاء بالغاية من الأمراء:

قبل أن أبرح من هذه الردود، أحب أن أشير إلى مسألة في غاية الأهمية تحتاج لمقالة مطولة - لعل الله ييسر كتابتها - لقد درجت مدرسة من المدارس المعاصرة على تقديس الأمراء والسلاطين، حتى تحمس بعضهم وكتب في ذلك كتابا، شحنه بالغث والسمين، وكل ما طالته يده من نصوص وأقوال لأهل العلم تبجل الأمراء، وتقدس الحكام، حتى كاد يقول: على الرعية عدم دخول الحمام إلا بإذن السلطان!! وهذا بسبب الفهم العقيم للنصوص التي وردت في هذا الباب، وفهم المقاصد الشرعية التي ترمي إليها، حتى صارت طاعة الحكام غاية في ذاتها.

وأختصر المقال فأقول: كل النصوص التي تحث على طاعة الأمراء، هي غير مقصودة لذاتها، وإنما يراد بها غيرها، ألخصه في عبارة:"الأمن الأُممي"، وإن شئت فسمه"مصلحة الأمة"، وهو الآن يعد في بلاد الكفار من أولى أولويات الدول المتحضرة، فبسببه غزا الروس أفغانستان، وغزا الأمريكان العراق، وهو ما يسمّى ب"الأمن القومي"؛ لذلك نلحظ أن الغرب لا يطرون حكامهم كحالنا الذي فاق إطراء النصارى لعيسى بن مريم، وما ذلك إلا لإدراكهم أن من نصبوه للحكم إنما نصبوه على أمنهم القومي، فإن لعب بذيله، أو فرط وقصر، فبملء الكف على قفاه، وبالركل على إستاه.

أما نحن، فها هم يتاجرون بأمننا الأُممي، والقومي، والوطني ليلا ونهارا، سرا وجهارا، قد باعوا رعاياهم في سوق النخاسين في بورصة لندن ونيويورك، حتى صارت أسهمنا أخس من أسهم التراب والأحجار، والمزابل والغبار، ومع هذا كله يمج أسماعنا أمثال هذا الفتان: أنت مليكنا، وسواك لا نرضاه من سلطان، والله المستعان.

فتأمل - رحمك الله - قول ابن خلدون في"المقدمة"ص 212 في الغاية الشرعية من تنصيب الحكام، فقال:"اعلم أنا قدمنا الكلام في الإمامة ومشروعيتها لما فيها من المصلحة، وأن حقيقتها للنظر في مصالح الأمة لدينهم ودنياهم، فهو وليهم، والأمين عليهم". اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت