الصفحة 20 من 44

تحصن بسور عظيم؛ ليحميها من هجمات الأعداء، وفي هذه حالة لو خرج المجاهدون من الحصن لملاقاة العدو قبل دخوله للبلدة، فإما أن يترتب على خروجهم إضعاف شوكة المسلمين داخل الحصن، كأن يتسببون في ثغرة في الحصن، أو إضعاف لأحد جوانبه، أو تشرذم لجماعة المسلمين، ففي هذه الحالة يجب إذن الإمام في"جهاد الدفع"؛ مراعاة لمصلحة الأمة، وليس لسواد عيون صاحب السمو.

أما إذا لم يترتب على خروج المجاهدين من الحصن مثل هذه المفاسد، فلا يشترط إذن الإمام مطلقا، وهذا معنى قول ابن قدامة في"المغني"9/ 174:"وواجب على الناس إذا جاء العدو أن ينفروا المقل منهم والمكثر، ولا يخرجوا إلى العدو إلا بإذن الأمير، إلا أن يفجأهم عدو غالب يخافون كلبه فلا يمكنهم أن يستأذنوه."

قوله المقل منهم والمكثر يعني به - والله أعلم: الغني والفقير، أي: مقل من المال ومكثر منه، ومعناه: أن النفير يعم جميع الناس ممن كان من أهل القتال حين الحاجة إلى نفيرهم لمجيء العدو إليهم، ولا يجوز لأحد التخلف إلا من يحتاج إلى تخلفه؛ لحفظ المكان، والأهل، والمال، ومن يمنعه الأمير من الخروج ... ولأنهم إذا جاء العدو صار الجهاد عليهم فرض عين، فوجب على الجميع، فلم يجز لأحد التخلف عنه، فإذا ثبت هذا، فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير؛ لأن أمر الحرب موكول إليه، وهو أعلم بكثرة العدو، وقلتهم، ومكامن العدو، وكيدهم، فينبغي أن يرجع إلى رأيه؛ لأنه أحوط للمسلمين، إلا أن يتعذر استئذانه لمفاجأة عدوهم لهم، فلا يجب استئذانه؛ لأن المصلحة تتعين في قتالهم، والخروج إليهم؛ لتعين الفساد في تركهم؛ ولذلك لما أغار الكفار على لقاح النبي فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجا من المدينة تبعهم فقاتلهم من غير إذن، فمدحه النبي، وقال: خير رجالتنا سلمة بن الأكوع، وأعطاه سهم فارس وراجل". اهـ."

قال مقيده"محتسب": فالمقصود بما ذكر هو مراعاة المصلحة العامة أثناء"جهاد الدفع"، وليس تعطيله كما يبهرج له هذا الفتان، فهذا لا يقوله عاقل!

وتأمل ما نقله صاحب"مواهب الجليل"3/ 349 عن الإمام مالك أنه سئل عن العدو ينزل بساحل من سواحل المسلمين يقاتلونهم بغير استئمار الوالي؟

فقال:"أرى إن كان الوالي قريبا منهم أن يستأذنوه في قتالهم قبل أن يقاتلوهم، وإن كان بعيدا لم يتركوهم حتى يقعوا بهم، فقيل له: بل الوالي بعيد منهم. فقال: كيف يصنعون؟ أيدعوهم حتى يقعوا بهم؟!!! أرى أن يقاتلوهم". اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت