عنوة إلى الثقافة الغربية والتغريبية بوسائل محلية على الأرجح. لكن ثمة ميزتين بارزتين لم تتغيرا منذ مطالع القرن التاسع عشر هما:
-أن الدول الناشئة بفعل الحركة الاستعمارية لم تفلت من المطاردة والحصار والحروب إلى يومنا هذا. وحكاية الاستقلال والسيادة قد يشعر بها الأفريقي واللاتيني والآسيوي أما العربي فالمسألة بالنسبة له تبدو أسطورية في أحط محتوياتها.
-أن الغرب لا يتعامل مع الكيانات العربية هذه كدول أو أوطان كما أنه لا يتعامل معها كشعوب أو أمم بعكس ما تعتقده هذه الدول التي صدقت ومعها قطاعات واسعة من السكان أنها سليلة أمم أو شعوب وصاحبة دول مستقلة وذات سيادة وتاريخ عريق!
الحقيقة الساطعة اليوم تقول أن الدول العربية تحديدا منذ نشأت هي دول تابعة ومرتبطة بالمركز شاءت أم أبت. بل أن الدول التي تحالفت مع المنظومة الشرقية بقيادة موسكو لم تخلف لشعوبها سوى الفقر والقمع بينما الدول التي تحالفت مع المنظومة الليبرالية مهددة اليوم بمعاهدات حماية فضلا عن المجاعة التي تنتظرها، وفي كلتا الحالتين ما من دولة عربية قادرة على حماية نفسها أو شعبها أو نظامها أو حدودها، وغير قادرة على التنمية وبناء اقتصاد محلي، وغير قادرة على مواجهة التحديات بقدر ما هي بارعة في تفعيل قطاع الأمن ليصل إلى الذروة، فعن أي استقلال أو سيادة يجري الحديث؟ وعن أي وحدة وطنية يجري البحث عنها وكل شريحة سكانية تتربص بالأخرى الدوائر؟ وهل يمكن لهذا الضعف والعجز أن يمر دون كوارث جديدة تصيب الأمة؟ لكن السؤال الجوهري: لماذا تحتاج الولايات المتحدة إلى توقيع معاهدات حماية في المنطقة العربية على وجه الخصوص؟
ربما تبدو إثارة مشكلة الاتفاقات الأمنية إعلاميا على هذا النحو نوعا من التخويف، فالاستنفار الإعلامي المشغول بكل صغيرة وكبيرة وعقد اللقاءات والندوات وإثارة الجدل حول مضمون وأهداف المشاريع الأمنية أشبه ما يكون زوبعة في فنجان لاسيما وأن مثل هذه الاتفاقات موجودة وقائمة منذ زمن بعيد، كما أن الكثير من الدول العربية حليفة للولايات المتحدة، وبالتالي فما الفائدة من عقد اتفاقات مع أنظمة سياسية هي أصلا تدور في فلك المنظومة الأمريكية منذ نشأتها؟ وعليه يعتقد البعض أن الهدف من الاستنفار الإعلامي وجعله يعمل بأقصى طاقاته ليس سوى عملية تخويف للقوى المعارضة للوجود الأمريكي في المنطقة بما فيها القوى الجهادية. لكن هذه القراءة محدودة الرؤية وضعيفة الحجة لأكثر من سبب سنتوقف عند أبرزها تاليا.
فحين انطلقت العربة الاستعمارية في القرن التاسع عشر لم يكن التحكم بمصادر الطاقة سببا كافيا لأن النفط لم يكن بتلك الأهمية التي هو عليها الآن. لكن اليوم فالسبب الرئيسي يكمن في: (1) تمايز القوى العالمية و (2) نهوض قوى أخرى خاصة الصين التي قد تزيح من الواجهة قوى عظمى كالولايات المتحدة التي بدأت تستسلم للنمو الصيني المندفع تكنولوجيا واقتصاديا، بلا هوادة، ليحتل المرتبة الأولى في العالم سنة 2042. فالصينيون يشغلون نصف قوتهم العاملة البالغة 800 مليون عامل، ويسجلون نموا مرتفعا جدا تجاوز نسبة 10%، كما أنهم قادرون على زيادة النمو لولا الصراخ الدولي والتوسل إلى الصين بضرورة إبطاء نموها حتى لا تقع الكارثة في العالم.
هذا هو التحدي الكبير الذي يواجه الولايات المتحدة مستقبلا، وهو تحدي شديد الخطورة لأنه ينذر بخروج الصين من حدودها عبر العالم إذا ما زادت من نسبة نموها وشغلت ما تبقى لها من أيدي عاملة، مما يعني أن