الصفحة 28 من 35

الإسلامية ذهب أبعد من ذلك حين أعلن حربا على إيران الشيعية لم يوقفها إلا مشروع الصحوات وحصارها للمشروع الجهادي. لكن هل كان هذا هو موقف قادة القاعدة؟

الحقيقة أن حسابات التنظيم الأم بما في ذلك الموقف العقدي هي غير حسابات الفروع ومواقفها. فلا مواقف بن لادن ولا الظواهري ولا أي رمز من رموز القاعدة كفر عموم الشيعة. أما الزرقاوي فكان يحتج باستحالة التمييز بين المحارب وغير المحارب في الحالة العراقية. وبالتالي فتكفيره لعموم الطائفة ربما يكون بضغط الواقع وليس رغبة منه بمخالفة علماء السنة، وهو ما احتج به على فتوى أبي محمد المقدسي. هذا مع العلم أن بن لادن ترك للزرقاوي، بعد إلحاح في مراسلاتهما، حرية تقدير الموقف الميداني بشرط أن يعمل على تحييد الصراع مع الشيعة ما وسعه ذلك في هذه المرحلة على الأقل حيث الأولوية لقتال قوات الغزو الأمريكية وحلفائها.

المهم أننا، وبخلاف موقف العامة من أنصار المجاهدين، لم نقع في خطابات القاعدة، على مستوى القيادة، على أية استعمالات لمصطلحات تطعن في حزب الله من نوع"حزب اللات"أو"نصر اللات". بل أن القاعدة تصر على تجنب الدخول في معارك شرعية مع الطائفة الشيعية أو حتى مع إيران وحزب الله رغم أنها أكثر من يدرك حقائق المسألة الشيعية شرعيا وسياسيا وتاريخيا.

في الخامس من شهر آب/ أغسطس 2008 نشرت مؤسسة السحاب كتابا لأحد منظري القاعدة الشيخ عطية الله بعنوان:"حزب الله اللبناني والقضية الفلسطينية - رؤية كاشفة". وهو الكتاب الذي لاقى رواجا واسعا في وسائل الإعلام بالرغم من أنه لم يتطرق إلى الموقف العقدي من الشيعة الذي اعتبره من المسلمات التي لا تحاج إلى بيان. وفي الكتاب عبارة طريفة تستحق التوقف عندها حيث يقول الكاتب فيها:"لست بصدد البحث عن حقيقة هذا الحزب وملّته، فهي عندنا معلومة مستيقنة لا تخفى، بل المقصود من الكتابة هو تجلية حقيقة هذا الحزب للناس بالطرق المنطقية والدلائل العقلية، التي تقنع المسلمين بخطره وفساده العظيم".

لا شك أنها فقرة حاسمة وذات دلالة لمن أمعن في البحث والتقصي عن الأسباب التي تجعل من القاعدة تصر على تحييد الموقف الشرعي من خطاباتها تجاه الحزب ومن ورائه الطائفة برمتها. للوهلة الأولى يبدو اندفاع الزرقاوي في تكفير الشيعة قد أفسد على القاعدة خططها في التعامل مع الطائفة. لكنه من جهة أخرى دفع بالكثير من علماء السنة في البلدان الإسلامية إلى إصدار فتاوى شديدة ضد ما اعتبروه مشروعا صفويا يهدد الإسلام والمسلمين حتى أنهم أجازوا لأهل السنة في العراق الدفاع عن أنفسهم ورد اعتداءات الشيعة عليهم. ولا شك أن مثل هذه المواقف الصادرة عن أهل العلم تروق للقاعدة وتكفيها مؤونة الرد على خصومها الشرعيين.

هكذا يبدو موقف القاعدة من الشيعة بالغ الحذر من جهة أنه لا يجوز، شرعيا، تكفير عوامهم، لذا فقد بدت حريصة على استعمال الوسائل العقلية (سياسة، منطق، تاريخ، وقائع وأحداث ... ) لإسقاط المراهنة السنية على حزب الله والطائفة الشيعية، إذ تمكنها هذه الطريقة من:

-إحالة المسألة الشيعية إلى العلماء للاضطلاع بمهمة التصدي الشرعي للشيعة، مستفيدة من تأثيرهم على العامة أكثر مما تفعله القاعدة.

-والإفلات من رميها بتهمة التكفير.

-وبالتالي الخروج من الفخاخ بأقل الأضرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت