الصفحة 4 من 35

المسلمين في التاريخ ضد المسيحيين واليهود ابتداء من الدعوة النبوية وإخراجهم من المدينة خاصة والجزيرة العربية عامة وإلى يومنا هذا، بل سيذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك في المطالبة باستعادة ما يعتبرونه ممتلكات القياصرة وعروشهم التي استولى عليها المسلمين في فتوحاتهم أو غزواتهم، وبالتأكيد فقائمة المطالب طويلة لمن رغب في تتبعها وقائمة التصريحات العدائية ذات المحتوى الصليبي أوسع، ولما يقولون بأنها حرب صليبية فهم يدركون ما يقولون ويعملون على ذلك. لذا ليس غريبا أن تنقلب الأمور رأسا على عقب حين يغدو المطلوب من العرب هو الاستجابة للشروط الإسرائيلية للسلام وليس العكس كما كان شائعا قبل عقدين حين كان اليهود يتذمرون من رفض العرب لهم ووضعهم"شروطا تعجيزية"! للتفاوض مع إسرائيل.

والأهم من كل هذا أن ما يجري هو مشروع أمريكي - غربي - صهيوني، وبالتالي فمن العبث القول باختلاف الموقف الأوروبي أو تميزه عن الموقفين الأمريكي والصهيوني، وليس صعبا على العامة وليس الخاصة فحسب ملاحظة وحدة المشروع في ضوء تقاسم العمل والمهام، فالأمريكيون وبعض الدول الأوروبية تكفلوا مباشرة في شن الحروب على ديار المسلمين في أفغانستان والعراق والصومال وغيرها من البلدان، واليهود في فلسطين عمدوا إلى تصفية كافة القيادات الفلسطينية وأفقدوا الفلسطينيين من أي رمز حتى ولو كان وطنيا سواء داخل فلسطين أو خارجها، وأحكموا حصارا خانقا ومهينا عليهم بفعل أدائهم السياسي والأيديولوجي هيأ لتواطؤ عربي إما صمتا وتجاهلا أو قولا وفعلا، أما الأوروبيون، ابتداء من بابا الفاتيكان ومستشاروه وانتهاء بالصحف الدنماركية والأوروبية، فهم من دشن حملات الكراهية والحقد للمسلمين والإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم والعقيدة وتحدوا المسلمين في عقر ديارهم عبر حملات التنصير المحمومة التي وصلت إلى بلدان الخليج العربي عبر افتتاح الكنائس والدعوة إلى حرية الاعتقاد في السعودية معتبرين أن المشكلة مع المسلمين في كونهم يعتبرون القرآن كلام الله!

لا ريب أنه من الأهمية وجوب مراقبة التصريحات الأمريكية خاصة حول العراق وأفغانستان فيما يتعلق بسحب جزئي للقوات من البلدين أو استخدام تكنولوجيا الحروب على نحو متزايد أو الإيهام بأن الأمريكيين على وشك الهزيمة، نعم، فإن كل ما يجري الحديث عنه فيما يخص الصعوبات التي تواجه الأمريكيين في العراق وأفغانستان صحيح، لكن بحدود، فالصراع سيتواصل وسنة التدافع ماضية لا محالة، لكن لا بد من ملاحظة أن الأمريكيين خاصة والغرب عامة يجهدون في التكيف مع ما يستجد من ظروف، فالفشل في هذين البلدين ظاهر جلي لا يخفى على مراقب، والملاحَظ أن الأمريكيين يحاولون تعديل استراتيجياتهم بسرعة بعد الخبرة التي اكتسبوها في السنوات القليلة الماضية حيث لم يكن متوقعا أبدا أن يواجهوا حربا طاحنة كادت أن تتسبب بكارثة محققة في العراق أسوأ من كارثة فيتنام لولا أن وجدت الولايات المتحدة من ينقذها ويسهل عليها الأمر من بعض أهل السنة سواء داخل العراق أو خارجه، وهذا باعتراف الأمريكيين وفي مقدمتهم الرئيس جورج بوش بنفسه. لذا فهم يتحدثون الآن عن القوة الذكية كمصطلح جديد مهمته الدمج بين القوة المسلحة والعمل الدبلوماسي وعدم تقديم قوة الآلة على ذكاء العقل في خوضه للحروب أو إدارتها، وفيما بعد سيتبين لنا ماهية هذه الإستراتيجية القادمة ومدى خطورتها خاصة فيما يتعلق بصياغة التحالفات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت