بالمقابل بتدمير مفاعله النووي سنة 1981ودعمت جواسيسها في تدمير بعض مجمعات التصنيع العسكري فيه منتصف الثمانينات من القرن العشرين ثم ورطته باحتلال الكويت وأخضعته لحصار انتهى ليس بإسقاط النظام بل بتدمير البلد برمته. ومن باب التساؤل: لمّا يكون الأمريكيون يعترفون بأنهم كانوا على علم بخطورة التسلح الإيراني فلماذا لم يهاجموا إيران كما هاجموا العراق؟ ولماذا تنجو إيران وتوجهاتها وترساناتها وتكنولوجيتها من أية تهديدات أمريكية أو إسرائيلية حقيقية فيما لم ينج السلاح العراقي ولا حتى العراق ولا سنته من التدمير والقتل والتشريد مثلما لم تنج أفغانستان من السحق؟ أليس من المفارقات أن يكون السنة في العراق وأفغانستان هدفا مباشرا فيما يكون الشيعة حلفاء؟
إذا كان من البديهيات القول أن المراهنة على العلم وامتلاك التقنية تتطلب استقرارا طويل المدى وابتعادا عن الحروب والتوتر غير المبرر، فالأولى من ذلك التسليم بأن إيران ليست موضوعيا بوارد أية مواجهة لا مع الولايات المتحدة ولا مع إسرائيل ولا مع الغرب الذي ينأى بنفسه حتى عن تهديد إيران بعقوبات اقتصادية ودبلوماسية. وعليه ففي أي سياق يمكن توصيف المشروع الإيراني بأنه مشروع مقاومة وتحرير؟ وفي أي سياق من العقل يمكن المراهنة على أن إيران يمكن أن تغامر بما لديها من قوة ونفوذ بمصالحها وإنجازاتها من أجل العرب والفلسطينيين؟ وفي أي سياق يمكن تفسير العلاقات الأمريكية الإيرانية وهي تبدو حتى قبل هجمات 11 سبتمبر والعراق على وفاق تام تجاه ما ما يتراءى للكثيرين كما لو أنه العدو المشترك للجانبين؟ وفي أي سياق يمكن فهم صفقات التسلح الإيراني مع إسرائيل فيما عرف آنذاك بفضيحة"إيران غيت"؟
حتى الآن ترفض إيران رفضا قاطعا الاعتراف بعروبة الخليج العربي أو بحقوق عربية فيه، لذا يبقى السؤال عن عدو إيران مبررا، وكذلك الأمر فيما يتصل بالتسلح الإيراني بأسلحة دمار شامل، لكن السؤال الثاني الذي لا يقل أهمية عن هوية العدو هو: لأية أهداف تتسلح إيران؟
هنا بالضبط يكمن جانب آخر من المخاوف السنية المعارضة للنهج الإيراني. فقد يكون مفهوما أن يتوسع نفوذ الدول ويصبح لها تطلعات إقليمية أو دولية، وتسعى جاهدة إلى المطالبة بمزيد من الحقوق والمكاسب وتقاسم النفوذ بما يتناسب وقدراتها العلمية أو حجم القوة العسكرية والاقتصادية، لكن ما ليس مفهوما هو التمدد الإيراني خارج الحدود بصورة تبعث على الريبة المصحوبة بقلق كبير. فمنذ الاحتلال الأمريكي للعراق، بدأت مؤشرات التمدد خارج الحدود أبعد ما تكون عن المصالح السياسية، والأهم أنها مؤشرات شمولية الشكل وبمضمون عقدي ظهر معه السنة كمخدوعين طوال عقود وهم يحاولون الظن، عبثا، بأن إيران تخلت عن مبدأ"تصدير الثورة"منذ سنة 1984، والحقيقة أن الإيرانيين أجلوا العمل به، لينطلق مجددا مع الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان، ولينشط في كافة البلدان العربية بلا استثناء. ومن هنا بالضبط بدأ الحديث عن مشروع صفوي مجوسي.
مع ذلك فقد لا يبدو غريبا أن يتقاطع المشروع الصفوي مع المشروع الأمريكي، فكثيرا ما تتقاطع المصالح في السياسة وهذا ليس معيبا، لكنه من المثير حقا أن يتقاطع المشروعين ليس في مستوى المصالح بقدر ما يتقاطعان فعليا في مستوى الأهداف، فكلاهما يستهدف السنة وكلاهما يسعى إلى التبشير بمعتقداته وكلاهما يمتلك القوة والأدوات لتحقيق أهدافه وكلاهما ذو طابع احتلالي وكلاهما يقدم تنازلات للآخر كلما دعت الضرورة. ومما لا شك فيه أن ما من شيء يخيف السنة كما يخيفهم التشيع حتى أنهم باتوا يعبرون عن ترقيتهم لهذا الخوف فيما يقيمونه