الصفحة 29 من 35

من المعلوم أن حزب الله يستأثر وحده بورقة المقاومة في لبنان على الرغم من وجود عشرات القوى السياسية والتنظيمات المسلحة سواء كانت لبنانية أو فلسطينية. وفيما خلا بضعة عمليات مسلحة ضد إسرائيل أو قوات اليونيفيل الدولية أفلتت من مراقبة الحزب لم تستطع أية قوة اختراق الحظر الأمني الذي يفرضه الحزب على القوى الأخرى في مقاتلة إسرائيل. وفي المقابل استطاع الحزب أن يعوض هذا الخلل الذي يطعن بمصداقيته بالدخول في معارك طاحنة ضد إسرائيل في مناسبات عديدة انتهت بانسحاب إسرائيل من لبنان وإهانتها عسكريا في حرب تموز سنة 2006 بصورة لم يسبق لها مثيل في كافة الحروب العربية السابقة.

وهكذا فعلى امتداد سنوات الصراع مع إسرائيل استوطن الحزب في عقول العامة بوصفه حزب مقاوم شديد البأس ومدافع عن القضايا العربية والإسلامية ونصير كبير للفلسطينيين وخصم عنيد في مواجهة اليهود ومثال في العدة والإعداد والانضباط والمصداقية، بل أنه أعاد للعرب جزء من كرامتهم المفقودة ورفع رأسهم عاليا ونجح في إعادة الثقة والأمل وأثبت أنه بالإمكان هزيمة إسرائيل. لكن من الأهمية بمكان ملاحظة أن هذا التصور، على أهميته، لا يمكن إسقاطه على إجمالي أهل السنة. إذ أن موقف السنة ينقسم بين من يؤيد الحزب بشدة كما هو الحال في مصر وبلاد الشام والمغرب العربي وبين من يعارضه بشدة كما هو الحال في الجزيرة العربية. وبصيغة أخرى يمكن القول أن تأييد الحزب يتراجع في البلدان ذات الحضور الشيعي فيما يتزايد بصورة مثيرة في البلدان ذات الكثافة السنية، وهنا بالضبط تقع المشكلة التي تواجه القاعدة.

فلو قمنا بعملية استكشاف دقيقة سنلاحظ أن القاعدة نجحت في الحضور الفعال في المغرب العربي والجزيرة والعراق لكنها حتى اللحظة لم تنجح في استيطان بلاد الشام ومصر. ولعل السبب الرئيس في ذلك يكمن في وجهة الرأي العام الشعبي في هذه المنطقة والذي يميل إلى تأييد حزب الله بشكل ظاهر ومؤثر. وهذا يفسر إلى حد كبير غياب الموقف الشرعي من خطابات القاعدة تجاه الحزب والاكتفاء بما أسماه عطية الله بـ"الطرق المنطقية والدلائل العقلية"لـ:"تجلية حقيقة هذا الحزب للناس"كون الدلائل الشرعية قلما تشكل فارقا عند العامة من سكان هذه المناطق. فالناس تقيس الموقف من أية جماعة ليس بموجب عقيدتها بل بمقدار ما توقعه من أذى في الدولة اليهودية. وإذا ما تعلق الأمر بحزب الله فهذا موقف طبيعي بما أن الفكر الماركسي خاصة والعلماني عامة أعمل أثره عميقا في عقل أمة لم تر على مدى عقود نصرا واحدا. فلا الجماعات الإسلامية ولا فصائل منظمة التحرير شكلت نضالاتها على امتداد عقود أي فارق يذكر في الصراع العربي الإسرائيلي، فلماذا لا يؤيدون حزب شكل هذا الفارق؟

إذن يمكن القول أن القاعدة معنية بالدرجة الأساس بالتعامل مع أمزجة الناس وليس مع عقائدهم. ولما يكون الحال هكذا فمن الصعب توقع ظهور فعال للقاعدة قبل تغير معايير القياس أو المزاج العام. لهذا تبدو خطابات رموز القاعدة وهي تتوجه، بكثافة، نحو حركة حماس بالذات وحزب الله كمن يحاول إشاعة ثقافة جهادية بمواصفات قاعدية ما من هدف لها في هذه المرحلة إلا خلخلة ما تجذر من تصورات لا تتمتع بأية مشروعية عقدية. لكن كيف؟

يصر رموز القاعدة على التأكيد أن الخلاف الإيراني مع الولايات المتحدة هو خلاف حقيقي، وكذا الأمر فيما يتعلق بحزب الله حيث تعتقد القاعدة أن حربه ضد إسرائيل هي حرب حقيقية. لكنهم، ومعهم الكثير من علماء السنة، يؤمنون أن العداء الشيعي لأمريكا هو عداء طائفي وليس عداء إسلامي. فالأمركيون واليهود والغرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت