الصفحة 34 من 35

سيجدون من يشتري سلعهم الرخيصة التي خلقت اقتصادا عالميا ثالثا لن يعود بمتناول الفقراء الذين لم يعد لديهم ما ينفقونه حتى على أرخص السلع وأقلها جودة؟ وفيما يتصل باليابانيين فهم يدركون أنهم في قلب العاصفة، وها هم يضخون مليارات الدولارات لتأمين سيولة كافية في السوق من شأنها أن تشعر العامة والخاصة منهم بالأمان ولو لبعض الوقت. أليس مجرد ضخ هذه المليارات يعني أن الخوف يتملكهم من شتى الاتجاهات سواء على اقتصادهم أو على استثماراتهم في الولايات المتحدة؟ وعلى الصعيد الأوروبي فثمة خطر محدق دفع الاتحاد الأوروبي إلى تخصيص قمة للنظر في الأزمة وتداعياتها التي بدأت تضرب بشكل مباشر أنظمتها المالية خاصة في بلجيكا وبريطانيا.

إذن العالم في حرب. ويا لها من مفارقة! فما من حرب عالمية فتاكة إلا وكانت الرأسمالية مصدرها والغرب مسرحا لها. لكن مركز الحرب هذه المرة ومصدرها هي أمريكا وليس ألمانيا ولا اليابان ولا بريطانيا أو فرنسا. وهاتان الأخيرتان لم تعودا سيدتا العالم، أما ألمانيا واليابان فقد أخرجتا من حيز التهديد العسكري لغيرهما. فهل ستخرج الولايات المتحدة؟

بالتأكيد ليست الولايات المتحدة فوق الانهيار، ومن يعتقد بأنها محصنة أو معصومة فهو يعيش في كوكب آخر وخارج التاريخ والزمن والسنن. ولا شك أن الفرق بين انهيارها والاتحاد السوفيتي كبير. ولنبدأ بضبط سمات الأخيرة. فالاتحاد السوفياتي كان دولة عظمى لها مركز ضخم تدور في فلكه بقية الدول، فكان من السهل أن ترث روسيا هذه الدولة بدعم عالمي واعتراف غير منقوص ولا حتى محل جدل. وبالتالي أمكن استيعاب الاتحاد السوفييتي عسكريا واقتصاديا بسلاسة ورقّة منقطعة النظير في إطار النظام الدولي القائم بكل ما يشتمل عليه من مؤسسات وعلاقات قوة.

أما فيما يتعلق بالولايات المتحدة فالموقف مختلف بشكل جذري. فإذا ما استوعب العالم انهيار أمريكا فقد تظل قوة عظمى منكفئة على نفسها دون أن يكون لها تأثيرا عالميا كبيرا. لكنها أقرب إلى التفكك من التوحد. فهي ليست مركزا للاتحاد الذي نشأ أصلا بالقوة والحروب فيما أسمي بالعالم الجديد. بمعنى أن الولايات المتحدة تشبه إسرائيل من حيث النشأة إلى حد كبير، فهي دولة لقيطة ليس لها تاريخ ولا حضارة متصلة ولا تعبر عن قومية أو عرق معين ولا تتمتع بأي أمان جغرافي كما هو الحال بالنسبة للاتحاد السوفيتي حيث مثلت روسيا عمقه الجغرافي والحضاري الآمن منذ فجر التاريخ. وكل ما لديها هو الرأسمال وقيم السوق، ولما ينهار السوق فمن الطبيعي أن تنهار قيمه ومؤسساته وبناه وكل منظومات العلاقات المرتبطة به.

كما أن الاتحاد الأمريكي مكون حتى هذه اللحظة من ولايات تشبه الدول المستقلة، وإذا ما ظهرت بوادر الانهيار في الاتحاد فستكون ولاياته قابلة للتفكك أكثر مما هي قابلة للتوحد، إذ قد تعمد كل ولاية إلى النجاة بنفسها، أو قد تغريها ذات القيم الرأسمالية بالانحياز إلى مبدأ الربح والخسارة في تقرير مصيرها. وحتى هذه الولايات ليست محصنة من التفكك ذاته الذي يتهدد الاتحاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت