على سؤال منفي، ومراعاةًَ لطبيعة كل سؤال كانت في المثال الأول إيجابًا وفي المثال الثاني نفيًا.
ومع ذلك لنا أن نقول إن (نعم) في الحالتين لاتخرج عن معنى الإيجاب، ولكنه إيجاب تحكمه طبيعة السؤال، ففي المثال الأول جاء السؤال مثبتًا، فكان الإيجاب إقرارًا بحصول مضمون السؤال فتقول: نعم قرأتٌ الكتاب. وفي المثال الثاني جاء السؤال منفيًا. فكان الإيجاب بنعم إقرارًا بمضمون السؤال المنفي، فتقول: نعم، لم أقرأ الكتاب، فتنفى بذلك الإيجاب قراءة الكتاب، ولذلك قيل هي للنفي، لأن إيجاب، النفي نفي.
فكل قضّية من القضايا لها وجهان سلب وإيجاب، والمرء مع الكتاب له حالان، إمّا أنه قرأ الكتاب، وإمّا أنه لم يقرأه، فإذا سأله السائل عن ذلك بنى سؤاله على أحد هذين الحالين، فإن رآه ممن يثابرون على القراءة كان سؤاله: أقرأت الكتاب؟ وإن رآه ممن لا يهتمّون بالقراءة، وفي كل مرة يخبره أنه لم يقرأ الكتاب كان سؤاله: ألم تقرأ الكتاب؟
وعلى هذا النسق جاء الاستفهام في الآية: (ألم يعلم بأن الله يرى) وهو ذلك الإنسان الطاغي الذي ينهى عبدًا إذا صلى. فلو أنه كان يعلم (يؤمن) بأن الله يرى لما فعل ما فعل، فهو كافر بالله مٌصِرٌّ على كفره برغم مايشهده من الآيات الداّلة على رب العالمين، فكان أن نظرت الآية إلى الوجه السالب من ذلك الإنسان لم يعلم بأن الله يرى فجاء الاستفهام في الآية بذلك: (ألم يعلم بأن الله يرى) .
* الفعل المضارع (يعلم)
أسنده جل شأنه إلى ضمير الغيبة، وهو الضمير المستتر العائد على الذي ينهى عبدًا إذا صلى. وكنا قد بّينا فيما سبق أن ضمير الغيبة يتوجه إلى ذات بعيدة، فكان في ذكر خبر ذلك الناهي على هذا النسق إعلان ببعده عن رحمة الله تعالى.