ذكرنا فيما سبق أن الآيات الأولى تحمل دلالة شمولية، من حيث أنها تذكر الغاية العامّة التي خٌلق من أجلها الإنسان، وهي عبادة الله تعالى، فكان أن أمر الله الإنسان بفعل القراءة. وأعلمه أن السبيل إلى تواصله مع ربه هو قراءة آيات الله النَّصّية والكونية. فهل فعل الإنسان ذلك؟
جاء الجواب مباشرة بعد تلك الآيات بكلمة (كلا) التي تنفي ثبات الظاهرة الإنسانية على الغاية التي خلقت من أجلها والتي هي
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات: 56
فمن جنس الإنسان هناك الكافر والمشرك والعاصي، ولذلك كان اقتصار فاتحة نزول القرآن على الآيات الأولى نظرًا إلى أمرين، الأوّل: بيان أن خلق الخلق ليقرأوا فيما يدركونه توحيد الله وعبادته. والثاني: مراعاة مقام المخاطب محمد - صلى الله عليه وسلم -، الذي تحقّقت في ذاته صفة العبودية في أسمى حالاتها.
بينا في المستوى الأول أن الآيات الأولى تذكر الغاية الأصل التي خٌلق من أجلها الإنسان، فكان اقتصار النزول على تلك الآيات في غار حراء شهادة من الله تعالى بأن الإنسان محمد - صلى الله عليه وسلم - هوالحالة الإنسانية الموافقة لمراد الله من خلق الإنسان. أما ماعداه من إنسان. فلم يستغرقهم هذا المستوى، إذ كان منهم الكافر والمشرك والعاصي، ولذلك وضع جلّ شأنه مستوى آخرغيرالمستوى الأول، استكمالًا لدلالة الشمولية التي تستوعب الذين اقتدوا بمستوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذين خالفوا مستواه قليلًاُ أو كثيرًا.
ذكر المولى جل شأنه أنه خلق الإنسان من علق، وأنه قدَّر لذلك التعلق أن يجري عَبْر القراءة، فهل أمتثل الإنسان بدلالته العامة لمراد رب العالمين؟