وقال آخرون بل هو صحيح وهذا هو الصواب أنه صحيح كما صححه الأئمة ومنهم ابن خزيمة رحمه الله ومنهم ابن حبان ومنهم الحاكم وآخرون
والحديث صحيح لا بأس به ولا تعارض بينه وبين الأحاديث السابقة فالأحاديث السابقة أحاديث منطوقة حكمها منطوق صريح (أن الماء طهور لا ينجسه شيء)
وهذا الحديث يدل على أنه إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث أي لم يؤثر فيه الخبث لكثرته يعني غالبًا
وفي (لم ينجس) تفتح الجيم من باب (نجِس) وتضم من باب (نجُس) لغتان معروفتان أي لم يكن نجسًا
وهذا وصف اغلبي.
أراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا أن الماء الكثير في الغالب لا تؤثر فيه النجاسة العارضة العادية القليلة وإنما تؤثر في المياه القليلة ولهذا أمر بإراقة الماء الذي ولغ فيه الكلب كما سيأتي. لأنه ماء قليل غالبا في الإناء وريق الكلب له تأثير من أثر الولوغ فكانت الحكمة تقتضي إراقته لأنه في الغالب يتأثر بولوغ الكلب في طعمه وما يتعلق بمنفعته. فإذا كان الماء قليلا تأثر وأريق وإن لم يبن فيه تغير الطعم واللون والريح
وإذا كان كثيرا لم يتأثر في الغالب بل يكون له حكم الطهارة هذا هو الأغلب. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)
مفهومه أنه إذا كان أقل يحمل وينجس لكن يعارض المفهوم حديث أبي سعيد المتقدم أن الماء طهور لا ينجسه شئ.
والقاعدة عند أهل العلم: أن المنطوق مقدم على المفهوم لأن المفهوم له معاني قد يراد وقد لا يراد. فوجب أن يقدم عليه المنطوق ولكن مادون القلتين يستفاد من حديث القلتين أنه يحتاج إلى عناية و نظر وتأمل وأن لا يتساهل فيه لأنه مظنة التأثر بالنجاسة فينبغي فيه أن يلاحظ فإن ظهرت فيه النجاسة بتغير طعمه أو لونه أو ريحه ترك. أو كان ذلك التغير في القليل فإنه مظنة التأثر فإنه يراق كما حديث إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم.